تبدو تونس، على الورق، من أكثر بلدان شمال أفريقيا قدرة على التحول إلى مركز إقليمي للتكنولوجيا المالية، بفضل توفر الكفاءات البشرية المتخصصة، ووجود مؤسسات مالية عريقة، وتطور قطاع التكنولوجيا، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يجعلها قريبة من أوروبا ومتصلة في الوقت نفسه بالفضاءين العربي والأفريقي.
لكن تونس تدخل سنة 2026 بمفارقة لافتة: منظومة التكنولوجيا المالية تتطور، في حين يزداد اعتماد الاقتصاد على النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي.
هذه هي الخلاصة الرئيسية لتقرير تحليلي موسع نشرته مجلة «ذا فينتك تايمز» في 22 أوت 2026، بعنوان «تونس: منظومة التكنولوجيا المالية بين النقد والبرمجيات»، وأعده الكاتب ريشي سانتوس دياز، المتخصص في التنمية الاقتصادية العالمية والاستثمار الأجنبي والتجارة الدولية.
ويطرح التقرير سؤالاً أساسياً حول مستقبل التكنولوجيا المالية في تونس: هل تكمن المشكلة في قدرة البلاد على ابتكار الحلول الرقمية، أم في قدرتها على إقناع المواطنين والمؤسسات باستخدامها على نطاق واسع؟
مقومات عديدة لبناء مركز مالي رقمي
يرى التقرير أن تونس تمتلك العديد من العناصر التي تؤهلها للعب دور مهم في قطاع التكنولوجيا المالية في شمال أفريقيا.
فالاقتصاد التونسي يتميز بتنوع نسبي، إذ تجمع البلاد بين الصناعات التحويلية ومكونات السيارات والطيران والنسيج والفلاحة والسياحة وتكنولوجيا المعلومات وخدمات الأعمال.
كما تتمركز في تونس العاصمة أهم المؤسسات المالية والتكنولوجية، إلى جانب عدد من البنوك الكبرى.
لكن هذه المزايا تواجهها صعوبات اقتصادية واضحة، من بينها ضعف نسق النمو وارتفاع البطالة وتقلص فرص الحصول على التمويل الخارجي، وهي عوامل تؤثر مباشرة في قدرة الشركات الناشئة على الحصول على الاستثمارات وفي استعداد المستهلكين والمؤسسات لاعتماد خدمات مالية جديدة.
الكفاءات البشرية نقطة قوة
ويعتبر التقرير أن أهم ما تملكه تونس هو رأس مالها البشري.
فالبلاد تخرج آلاف المهندسين والمتخصصين في التكنولوجيا سنوياً، كما أن انتشار اللغات العربية والفرنسية والإنجليزية لدى شريحة مهمة من الكفاءات يمنح الشركات التونسية قدرة على التعامل مع أسواق متعددة.
ويرى معد التقرير أن هذه الميزة تسمح للشركات التونسية بالتفكير في الأسواق الخارجية منذ المراحل الأولى لنشاطها، بدلاً من حصر طموحاتها في السوق المحلية.
لكن امتلاك الكفاءات لا يكفي وحده، إذ يتطلب تحويل هذه القدرات إلى شركات قادرة على النمو والاستمرار والتوسع توفير التمويل والثقة والبيئة التنظيمية الملائمة.
قانون المؤسسات الناشئة غيّر المشهد
يتوقف التقرير عند قانون المؤسسات الناشئة الذي أقرته تونس سنة 2018، باعتباره أحد أبرز الإصلاحات التي استهدفت تحسين بيئة الأعمال أمام الشركات المبتكرة.
وقد أرسى القانون إطاراً خاصاً يتضمن 20 إجراء لفائدة أصحاب المشاريع والمؤسسات الناشئة والمستثمرين، كما دعمت الدولة هذه المنظومة من خلال برنامج تمويل يستهدف تعبئة ما يصل إلى 200 مليون يورو للاستثمار في أكثر من 13 صندوقاً مخصصاً لتمويل المؤسسات الناشئة.
وبالنسبة إلى التكنولوجيا المالية، لا تقتصر أهمية هذه الإجراءات على توفير التمويل، وإنما تكمن أيضاً في محاولة تحويل تونس إلى بيئة تسمح للشركات المبتكرة باختبار حلولها قبل التوجه إلى أسواق أخرى في أفريقيا والعالم العربي.
البنك المركزي يفتح الباب أمام الابتكار
ويلفت التقرير إلى الدور الذي لعبه البنك المركزي التونسي في تطوير منظومة التكنولوجيا المالية.
فالبنك المركزي وضع فضاءً تجريبياً تنظيمياً يسمح للمؤسسات المالية والشركات المبتكرة باختبار خدمات ومنتجات جديدة في ظروف خاضعة للرقابة.
كما أنشأ البنك فضاءً للابتكار يربط بين المؤسسة النقدية والشركات الناشئة والجامعات والباحثين والمتخصصين في التكنولوجيا.
وتكمن أهمية هذه المقاربة، بحسب التقرير، في أن تونس لا تسعى إلى تحرير الابتكار المالي من الرقابة، وإنما تحاول تقريب أصحاب المشاريع من الجهة المنظمة قبل وصول منتجاتهم إلى مرحلة الانتشار الواسع.
شركات تونسية تقدم حلولاً مالية رقمية
ويشير التقرير إلى عدد من الشركات التونسية التي دخلت فعلياً مجال الخدمات المالية الرقمية.
ومن بينها شركة «فلوسي» التي طورت تطبيقاً للخدمات المالية والدفع الإلكتروني، وساهمت في نشر التعامل مع الخدمات المالية عبر الهاتف.
كما يبرز التقرير شركة «كونكت» التي تركز على خدمات الدفع الإلكتروني لفائدة المستقلين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة والشركات الكبرى، من خلال روابط الدفع والحلول التقنية الخاصة بالتجارة الإلكترونية.
ويشير كذلك إلى شركة «بايمي» التي توفر حلولاً للدفع الإلكتروني، بما في ذلك بوابات الدفع والروابط المخصصة للمعاملات المالية.
وتكتسي هذه الخدمات أهمية خاصة بالنسبة إلى المؤسسات التونسية التي تبيع منتجات أو خدمات عبر الإنترنت، إذ إن تحصيل الأموال من الحرفاء، وخاصة من الخارج، كان في السابق أكثر تعقيداً من إنشاء المنتج الرقمي نفسه.
ومن هنا، يرى التقرير أن الدفع الإلكتروني لا يمثل مجرد قطاع منفصل داخل التكنولوجيا المالية، بل يشكل عاملاً مؤثراً في قدرة الاقتصاد الرقمي التونسي على المنافسة.
المفارقة الكبرى.. النقد في ارتفاع
لكن في الوقت الذي تتطور فيه الخدمات المالية الرقمية، يسجل الاقتصاد التونسي ارتفاعاً كبيراً في حجم النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي.
وبحسب أرقام نقلتها وكالة رويترز في فيفري 2026 عن بيانات البنك المركزي التونسي، بلغ حجم النقد المتداول خارج البنوك 27.5 مليار دينار، أي نحو 9.6 مليارات دولار، مسجلاً ارتفاعاً يقارب 20 بالمائة في سنة واحدة.
ويمثل هذا التطور ضغطاً على القطاع المصرفي، لأن الأموال الموجودة خارج البنوك لا يمكن للمؤسسات المالية الاستفادة منها بالقدر نفسه في تمويل القروض الموجهة إلى الأسر والمؤسسات.
كما أن كثرة التعاملات النقدية تجعل إدماج النشاط الاقتصادي غير المنظم أكثر صعوبة.
ويربط التقرير هذا الارتفاع، جزئياً، بالتغييرات التي شهدها التعامل بالشيكات وتشديد الإجراءات والعقوبات المتعلقة بالشيكات غير الصالحة أو غير القابلة للدفع.
وبدلاً من الانتقال مباشرة إلى وسائل الدفع الإلكترونية، لجأ عدد من المواطنين والمؤسسات إلى الاحتفاظ بمزيد من الأموال نقداً.
المشكلة ليست في التكنولوجيا.. بل في الثقة
هنا تكمن المفارقة التي يركز عليها التقرير.
فتونس لا تعاني من غياب الحلول الرقمية. الشركات موجودة، والتطبيقات موجودة، والإطار القانوني موجود، والبنك المركزي يوفر آليات لتجربة الابتكارات المالية.
لكن سلوك المستهلك والاقتصاد لم يتغير بالسرعة نفسها.
وبالتالي فإن التحدي الأكبر أمام التكنولوجيا المالية التونسية لم يعد ابتكار تطبيق جديد أو خدمة جديدة، وإنما إقناع المواطن والمؤسسة بأن التعامل الرقمي آمن وموثوق ومفيد.
فكلما ارتفع الاعتماد على النقد، بقيت التكنولوجيا المالية محدودة التأثير مهما تطورت حلولها.
التحول الرقمي للدولة قد يغير المعادلة
ويرى التقرير أن التحول الرقمي للإدارة يمكن أن يساعد في تغيير هذا الواقع.
وتنفذ تونس برنامجاً للتحول الرقمي للفترة 2025-2026 يضم 138 مشروعاً، من بينها 99 مشروعاً لرقمنة الإدارة و18 مشروعاً مرتبطة بالاقتصاد الرقمي، وتشمل مجالات مثل الذكاء الاصطناعي وتنمية المهارات والتجارة الإلكترونية.
كما قطعت تونس خطوات في مجال الهوية الرقمية من خلال منظومة «الهوية الرقمية على الهاتف» التي تتيح للمواطنين التعريف بأنفسهم عند النفاذ إلى عدد من الخدمات الحكومية عن بعد.
ويرى التقرير أن هذه الخطوات يمكن أن يكون لها تأثير غير مباشر على التكنولوجيا المالية، إذ إن المواطن الذي يعتاد التعامل رقمياً مع الإدارة يصبح أكثر استعداداً لاستخدام الخدمات المالية الرقمية والتجارة الإلكترونية.
تونس أمام فرصة.. ولكن
لا يرى تقرير «ذا فينتك تايمز» أن تونس تفتقر إلى مقومات بناء قطاع قوي للتكنولوجيا المالية.
على العكس، تتوفر البلاد على الكفاءات البشرية، والشركات الناشئة، والإطار التشريعي، وآليات تمويل، والبنك المركزي الذي انخرط في دعم الابتكار، فضلاً عن موقع جغرافي مميز بين أوروبا والعالم العربي وأفريقيا.
لكن العقبة الأساسية تتمثل في الفجوة بين تطور التكنولوجيا وبطء تغير السلوك الاقتصادي.
فتونس تمتلك اليوم التكنولوجيا اللازمة، لكنها لم تنجح بعد في تحويل الاقتصاد بالسرعة نفسها نحو التعاملات الرقمية.
وإذا نجحت في الجمع بين التكنولوجيا المالية ورقمنة الإدارة والهوية الرقمية والتجارة الإلكترونية، فقد تتمكن من تعزيز موقعها كمركز إقليمي للخدمات المالية الرقمية، وربط شركاتها بالأسواق الأوروبية والعربية والأفريقية.
أما إذا بقي الاقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على النقد، فإن التكنولوجيا المالية قد تظل متقدمة من الناحية التقنية، لكنها محدودة التأثير في الحياة الاقتصادية اليومية.
من هو صاحب التقرير؟
ريشي سانتوس دياز هو مستشار دولي في التنمية الاقتصادية والاستثمار الأجنبي والتجارة الدولية، وشريك إداري في شركة استشارية تنشط في مجالات التنمية الاقتصادية والأسواق الناشئة.
ووفق التعريف المنشور في مجلة «ذا فينتك تايمز»، يملك أكثر من 15 عاماً من الخبرة، ويحمل شهادة ماجستير من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، وسبق أن قدم استشارات لحكومات وشركات متعددة الجنسيات، كما ساهم في الكتابة لعدد من المنابر الدولية، من بينها مجلة «فوربس» والمنتدى الاقتصادي العالمي.
وقد نشر سانتوس دياز تقريره حول تونس في 22 أوت 2026 في مجلة «ذا فينتك تايمز»، تحت عنوان: «تونس: منظومة التكنولوجيا المالية بين النقد والبرمجيات».
