الرئيسية آخر الأخبار لماذا تفضل تونس النفط الأذربيجاني رغم قرب الجزائر وليبيا؟

لماذا تفضل تونس النفط الأذربيجاني رغم قرب الجزائر وليبيا؟

0
1
blank

يثير الارتفاع اللافت في واردات تونس من النفط الخام الأذربيجاني تساؤلات حول أسباب توجه بلد يعاني عجزاً طاقياً متزايداً إلى مورد يبعد آلاف الكيلومترات، في وقت توجد فيه على حدوده دولتان نفطيتان كبيرتان هما الجزائر وليبيا.

وتظهر أحدث بيانات لجنة الجمارك الحكومية الأذربيجانية أن تونس استوردت 368.9 ألف طن من النفط الخام الأذربيجاني بين يناير ويوليو 2026 بقيمة بلغت نحو 225.47 مليون دولار. وبالمقارنة مع الفترة نفسها من سنة 2025، ارتفعت الكميات بنحو 2.9 مرة والقيمة بنحو 3.3 مرات.

ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة أن تونس «تفضل» النفط الأذربيجاني على النفط الجزائري أو الليبي بالمعنى السياسي أو الاستراتيجي، لكنها تكشف عن تحول مهم في خريطة تزويد تونس بالخام، في وقت أصبحت فيه البلاد مضطرة إلى البحث عن مصادر إضافية لتغطية حاجياتها الطاقية.

المسافة ليست العامل الحاسم

في تجارة النفط، لا تكون الدولة الأقرب جغرافياً بالضرورة هي المورد الأفضل. فالقرار يتعلق أساساً بمزيج من سعر الخام، نوعيته، شروط الدفع، كلفة النقل والتأمين، انتظام الإمدادات، وتوافق الخام مع قدرات التكرير.

ومن هذه الزاوية، يمكن أن يكون الخام الأذربيجاني جذاباً بالنسبة إلى تونس، خصوصاً أن بعض الخامات الأذربيجانية، وفي مقدمتها خام النفط الأذربيجاني الخفيف، تتميز بخفة نسبية وانخفاض محتوى الكبريت، وهي خصائص تجعلها مطلوبة في الأسواق الدولية.

وبالتالي، فإن احتساب كلفة الشراء لا يتوقف عند المسافة بين بلد المصدر وتونس، وإنما عند الكلفة النهائية للبرميل بعد احتساب سعر الخام والشحن والتأمين وشروط الصفقة.

لماذا لا تكون الجزائر الخيار الأول دائماً؟

الجزائر هي أقرب مصدر كبير للطاقة إلى تونس، كما أنها مورد أساسي للغاز الطبيعي الذي تعتمد عليه البلاد بشكل كبير. لكن قرب الجزائر لا يعني أن كل احتياجات تونس من النفط الخام يجب أن تأتي منها.

فتونس لا تشتري النفط على أساس العلاقات السياسية فقط، وإنما تحتاج إلى خام يتناسب مع احتياجاتها ومصافيها وأسعار السوق في لحظة التعاقد.

كما أن الجزائر نفسها منتج ومصدر للطاقة ولديها التزامات وأسواق أخرى، وبالتالي فإن توفر الخام الجزائري بالسعر والمواصفات والكميات المطلوبة ليس أمراً يمكن افتراضه تلقائياً.

وهنا تظهر أهمية تنويع الموردين، خصوصاً بالنسبة إلى بلد أصبح العجز الطاقي أحد أكبر مصادر الضغط على ميزانه التجاري.

وليبيا؟ القرب لا يلغي المخاطر

أما ليبيا، فهي منطقياً تبدو الخيار الأكثر جاذبية من حيث القرب الجغرافي، كما تمتلك احتياطيات وإنتاجاً نفطياً مهماً.

غير أن السوق النفطية الليبية ظلت مرتبطة بدرجة عالية بالتطورات السياسية والأمنية، وباحتمال تعطل الإنتاج أو الصادرات نتيجة التوترات أو إغلاق الحقول والموانئ.

ومن وجهة نظر مستورد مثل تونس، فإن انتظام الإمدادات يمثل عاملاً مهماً لا يقل أهمية عن السعر.

وبالتالي، يمكن أن يكون اللجوء إلى النفط الأذربيجاني محاولة لتقليل الاعتماد على مصدر واحد أو على منطقة توريد واحدة، وتأمين بدائل عندما تكون السوق الليبية غير مستقرة أو عندما لا تكون الشروط التجارية الليبية الأكثر تنافسية.

العجز الطاقي يفرض خيارات جديدة

تأتي هذه التطورات في سياق صعب بالنسبة إلى تونس. فقد تحولت الطاقة إلى أحد أبرز مصادر العجز التجاري، مع تراجع الإنتاج الوطني من المحروقات وارتفاع الحاجة إلى التوريد.

وتشير المعطيات المتداولة حول التجارة الخارجية التونسية إلى أن العجز الطاقي بلغ مستويات مرتفعة جداً خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يعني أن كل زيادة في واردات النفط والغاز تنعكس مباشرة على الميزان التجاري وعلى حاجيات البلاد من العملة الصعبة.

في هذه الظروف، لا تستطيع تونس ببساطة أن تختار المورد الأقرب، بل تبحث عن أفضل صفقة ممكنة في سوق دولية شديدة التنافسية.

وهنا يمكن فهم الارتفاع الكبير في واردات الخام الأذربيجاني باعتباره جزءاً من عملية أوسع لإعادة ترتيب مصادر التزويد بالطاقة.

أذربيجان تبحث أيضاً عن أسواق

هناك عامل آخر لا ينبغي تجاهله: أذربيجان نفسها دولة نفطية تعتمد بشكل كبير على تصدير المحروقات.

وخلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2026، صدرت أذربيجان 12.72 مليون طن من النفط الخام والمنتجات النفطية المستخرجة من المعادن البيتومينية بقيمة 8.03 مليارات دولار.

وبلغت صادراتها الإجمالية خلال الفترة نفسها 19.34 مليار دولار مقابل واردات بقيمة 9.88 مليارات دولار.

وبالتالي فإن العلاقة ليست مجرد بحث تونسي عن النفط، وإنما أيضاً جزء من استراتيجية بلد منتج مثل أذربيجان لتوسيع أسواق صادراته وتنويع زبائنه.

السؤال الحقيقي: هل النفط الأذربيجاني أرخص؟

وهنا تكمن النقطة التي تحتاج إلى مزيد من التدقيق قبل الجزم بأن تونس «تفضل» النفط الأذربيجاني.

فالمعطيات الجمركية الأذربيجانية تسمح بحساب متوسط قيمة الطن المصدر إلى تونس، والذي يبلغ تقريباً 611 دولاراً للطن خلال الأشهر السبعة الأولى من العام.

لكن هذا الرقم لا يكفي وحده للحكم على تنافسية النفط الأذربيجاني، لأن المقارنة الحقيقية يجب أن تتم مع سعر الخام الجزائري والليبي في الفترة نفسها، ومواصفات كل خام، وكلفة نقله إلى تونس، وشروط الدفع والتأمين، وهوامش التكرير.

ومن دون هذه المقارنة، سيكون من السابق لأوانه القول إن تونس اختارت أذربيجان لأنها الأرخص.

تنويع الموردين في مواجهة أزمة الطاقة

الأرجح أن ما يحدث يعكس حاجة تونس إلى إعادة بناء منظومة أكثر مرونة لتوريد الطاقة.

فالبلاد التي تنتج كميات محدودة من النفط والغاز مقارنة بحاجياتها، وتواجه تراجعاً في إنتاجها المحلي، تجد نفسها أمام خيارين: إما زيادة الإنتاج الوطني بسرعة، وهو مسار يحتاج إلى استثمارات ووقت، أو تأمين واردات منتظمة من مصادر متعددة.

وفي هذا السياق، يصبح النفط الأذربيجاني أحد الخيارات المتاحة، إلى جانب الخام القادم من أسواق أخرى.

وبالتالي فإن المسألة لا تتعلق بالضرورة بأن تونس أدارت ظهرها للجزائر وليبيا، وإنما بأن العجز الطاقي دفعها إلى توسيع دائرة الموردين وعدم وضع كل احتياجاتها من النفط في سلة واحدة.

وقد يكون هذا التوجه أكثر أهمية في السنوات المقبلة، إذا استمر إنتاج تونس المحلي من المحروقات في التراجع وواصلت فاتورة الطاقة الضغط على الميزان التجاري.

وفي النهاية، فإن ارتفاع واردات النفط الأذربيجاني بأكثر من الضعف خلال عام واحد يطرح سؤالاً أكبر من مصدر شحنة نفط: هل بدأت تونس فعلاً في تغيير خريطة أمنها الطاقي، أم أن الأمر لا يتجاوز صفقات ظرفية فرضتها الأسعار وحاجيات السوق؟

الإجابة الدقيقة عن هذا السؤال تتطلب الكشف عن العقود المبرمة، وأسعار الشراء الفعلية، والجهات المتدخلة في عمليات التوريد، وهو ما سيكون حاسماً لمعرفة ما إذا كان النفط الأذربيجاني يتحول إلى مورد استراتيجي لتونس أم يظل خياراً تجارياً مؤقتاً.