تتجه الأزمة داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» إلى مرحلة أكثر حدة، مع بحث الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا»، والاتحاد الآسيوي ، واتحاد أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي «كونكاكاف» إمكانية الدفع نحو تصويت بحجب الثقة عن رئيس الفيفا جياني إنفانتينو، في خطوة قد تهز قيادة كرة القدم العالمية قبل انتخابات رئاسة الاتحاد المقررة في مارس 2027.
وبحسب مصادر مطلعة نقلت عنها وكالة رويترز، فإن الاتحادات القارية الثلاثة تدرس هذه الخطوة على خلفية الخلاف المتصاعد حول مشروع ««مؤسسة فيفا للتطوير»»، الذي اقترحه إنفانتينو ويتعلق بإدخال مستثمرين من القطاع الخاص في كيان تجاري جديد مرتبط بحقوق ومداخيل مسابقات كأس العالم.
وأثار المشروع اعتراضات واسعة بسبب طريقة إعداده وغياب التشاور الكافي مع الاتحادات القارية، قبل أن يتراجع إنفانتينو عن الخطة إثر ضغوط قوية من داخل منظومة كرة القدم العالمية. واعتبرت اتحادات معارضة أن القضية تتجاوز خلافًا حول مشروع تجاري إلى مسألة تتعلق بالحوكمة والشفافية وطريقة إدارة الفيفا.
كيف يمكن الإطاحة بإنفانتينو؟
ولا تنص لوائح الفيفا بصورة صريحة على آلية مستقلة لحجب الثقة عن الرئيس، غير أن القواعد تتيح الدعوة إلى مؤتمر استثنائي إذا تقدمت كتابيًا 20% على الأقل من الاتحادات الوطنية الأعضاء، أي 43 اتحادًا من أصل 211.
وفي حال تحقق النصاب، يتعين على مجلس الفيفا الدعوة إلى مؤتمر استثنائي خلال ثلاثة أشهر. ويصوت كل اتحاد وطني بصوت واحد غير قابل للتحويل. ولا يشترط النظام، وفق القراءة القانونية المتداولة، أغلبية خاصة لاتخاذ القرار، ما يجعل الأغلبية البسيطة للأصوات الصحيحة هي القاعدة العامة.
وفي حال سحب الثقة من إنفانتينو، سيتولى أطول نواب الرئيس خدمة مهام الرئاسة مؤقتًا إلى حين انتخاب رئيس جديد في مؤتمر لاحق. ويشغل هذا المنصب حاليًا البحريني الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة.
الخوف من نتيجة عكسية
ورغم اتساع دائرة المعارضة، لا يبدو أن الاتحادات القارية الثلاثة حسمت قرارها النهائي بشأن اللجوء إلى تصويت حجب الثقة.
وتخشى بعض الأطراف من أن يؤدي طرح التصويت وفشله إلى نتيجة عكسية، تتمثل في تعزيز موقع إنفانتينو وإظهار قدرته على الاحتفاظ بثقة غالبية الاتحادات الوطنية، وهو ما قد يمنحه دفعًا سياسيًا قويًا قبل انتخابات 2027.
وتكمن صعوبة المعركة في أن الفيفا لا يصوت وفق كتل قارية، إذ تمتلك الاتحادات الوطنية الـ211 صوتًا متساويًا، بصرف النظر عن حجمها أو قوتها الكروية. ولذلك فإن موقف قيادة «يويفا» أو الاتحاد الآسيوي لكرة القدم« أو «كونكاكاف» لا يتحول تلقائيًا إلى أصوات موحدة من جميع الاتحادات التابعة لها.
إنفانتينو لا يزال يملك قاعدة دعم
وعلى الرغم من الأزمة، لا يزال إنفانتينو يتمتع بدعم قوي داخل عدد من الاتحادات، خصوصًا في إفريقيا وأجزاء من آسيا وأمريكا الجنوبية.
وكان رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي، قد أكد دعم الاتحادات الإفريقية الـ54 لإعادة انتخاب إنفانتينو، فيما أعلنت اتحادات عربية وإفريقية وآسيوية عدة دعمها لرئيس الفيفا. كما يظل إنفانتينو قادرًا على إعادة بناء تحالفاته قبل موعد الانتخابات.
في المقابل، بدأت عدة اتحادات وطنية أوروبية في سحب دعمها لترشح إنفانتينو، من بينها إنجلترا وويلز وفنلندا وصربيا والسويد، قبل أن تنضم إليها اتحادات أخرى، في مؤشر على اتساع الخلاف داخل القارة الأوروبية.
كما أعلن الاتحاد النيوزيلندي لكرة القدم سحب دعمه لإنفانتينو، بينما تصاعدت الدعوات إلى مراجعة مستقلة لطريقة إدارة الفيفا.
مشروع كأس العالم فجّر الأزمة
وتعود جذور المواجهة الحالية إلى مشروع ««مؤسسة فيفا للتطوير»»، الذي كان يهدف إلى إنشاء كيان تجاري جديد وفتح الباب أمام استثمارات خاصة مرتبطة بالعائدات المستقبلية لكرة القدم العالمية.
ورفض «يويفا» وشركاؤه طريقة إدارة المشروع، معتبرين أن اتخاذ قرارات بهذا الحجم من دون تشاور كافٍ مع الاتحادات القارية يمثل إخفاقًا في الحوكمة. كما تصاعدت الأزمة بعد استقالة مسؤولين في الفيفا انتقدوا المشروع، ما زاد الضغوط على إنفانتينو.
ووصل الخلاف إلى حد تهديد أوروبي بمقاطعة مسابقات الفيفا إذا استمر المشروع، قبل أن يتم التخلي عنه. لكن التراجع عن الخطة لم ينه الأزمة، بل نقلها إلى مستوى أوسع يتعلق بمستقبل قيادة الاتحاد الدولي.
من يمكن أن يخلف إنفانتينو؟
وفي حال تطورت المواجهة إلى إطاحة بإنفانتينو أو تراجع فرص إعادة انتخابه، يبرز اسم رئيس «كونكاكاف» الكندي فيكتور مونتالياني باعتباره أحد الأسماء المحتملة لخلافته، خصوصًا أنه يشغل أيضًا منصب نائب رئيس الفيفا.
لكن مونتالياني لم يعلن حتى الآن ترشحه رسميًا، فيما تشير المعطيات إلى أن أي تحرك من جانبه يرتبط بمدى قدرة المعسكر المعارض على ضمان دعم واسع قبل الدخول في مواجهة انتخابية مباشرة.
وتكتسب الأزمة أهمية إضافية مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، إذ من المقرر إجراء انتخابات رئاسة الفيفا في مارس 2027 بالمغرب، بينما يواجه المرشحون المحتملون موعدًا نهائيًا لتقديم ترشيحاتهم في نوفمبر المقبل.
وبذلك تتحول المعركة داخل الفيفا من خلاف حول مشروع تجاري أُلغي إلى صراع مفتوح على مستقبل قيادة كرة القدم العالمية، فيما يبقى السؤال الأساسي: هل تتمكن القوى المعارضة من جمع الأصوات اللازمة لإجبار إنفانتينو على الرحيل، أم أن المخاطرة بتصويت فاشل ستمنحه فرصة جديدة لترسيخ موقعه قبل انتخابات 2027؟



