أعادت الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة فتح ملف النزاعات الجبائية، داعية إلى مراجعة طريقة عمل لجان المصالحة وتركيبتها، حتى تتمكن من أداء دورها في تقريب وجهات النظر بين الإدارة الجبائية وأصحاب المؤسسات، وتفادي الخلافات التي قد تتحول إلى أعباء مالية ثقيلة على المؤسسات المعنية.
وفي بيان صادر عنها الاثنين 19 أكتوبر 2026، اعتبرت الجامعة أن آلية الصلح الجبائي، رغم أهميتها في تسوية النزاعات بالطرق الودية، لا تحقق الأهداف المنتظرة منها بالشكل الكافي، وفق تقديرها، بسبب ما وصفته بنقص الاستقلالية في تركيبة اللجان، وعدم إلزامية آرائها بالنسبة إلى الإدارة الجبائية.
وترى الجامعة أن هذه النقائص تستوجب مراجعة الأحكام المنظمة للمصالحة الجبائية، داعية إلى إدراج تعديلات في إطار مشروع قانون المالية لسنة 2027، بما يعزز ضمانات المطالبين بالأداء ويحمي المؤسسات من تبعات الخلافات المتعلقة بنتائج المراجعة الجبائية.
وتكمن أهمية هذا الملف في أن النزاع حول الأداءات لا يظل دائماً خلافاً بشأن الأرقام، بل قد تكون له انعكاسات مباشرة على السيولة المالية للمؤسسة وقدرتها على مواصلة نشاطها، خاصة عندما يتعلق الأمر بمؤسسات صغرى ومتوسطة محدودة الإمكانات.
اعتراضات على تركيبة لجان المصالحة
وأوضحت الجامعة أن لجان المصالحة أُحدثت للنظر في ملفات المراجعة الجبائية، سواء كانت أولية أو معمقة أو محدودة، بهدف التوصل إلى اتفاق بين الإدارة والمطالب بالأداء قبل المرور إلى مرحلة التوظيف الإجباري للأداء.
غير أنها تعتبر أن تركيبة هذه اللجان لا توفر، في صيغتها الحالية، التوازن المطلوب بين الطرفين، باعتبار الحضور الواسع لممثلي الإدارة الجبائية، مقابل تمثيل المطالبين بالأداء بعضوين، فضلاً عن أن رأي اللجنة يبقى استشارياً.
وبحسب الجامعة، فإن هذا الوضع يحد من قدرة اللجان على معالجة الخلافات بصورة فعالة، حتى عندما تكشف مناقشة الملفات عن ملاحظات تتعلق بالتعديلات المعتمدة خلال المراجعة الجبائية.
كما أثارت المنظمة المهنية مسألة تمكين ممثلي المطالبين بالأداء من الاطلاع على كامل مطالب الصلح والوثائق المؤيدة لها، مشيرة إلى أن الاكتفاء، في بعض الحالات التي تحدث عنها البيان، بجداول تلخيصية تعدها الإدارة قد لا يسمح بتكوين صورة كاملة عن طبيعة الخلاف والحجج التي يستند إليها صاحب المؤسسة.
مخاوف من تكرار المراجعة الجبائية
ومن بين النقاط التي شددت عليها الجامعة ما قالت إنه حصول حالات تُعاد فيها دراسة الملفات داخل مصالح الإدارة الجبائية بعد انعقاد جلسات المصالحة، مع مطالبة المؤسسات بتقديم وثائقها المحاسبية مجدداً.
وترى الجامعة أن مثل هذه الممارسات، إذا ثبتت في الحالات المعنية، تستوجب التثبت من مدى احترام الضمانات والإجراءات التي تنص عليها مجلة الحقوق والإجراءات الجبائية، وخاصة الفصول 37 و38 و40 و41 و46.
كما حذرت من أن عدم معالجة الخلافات في مرحلة المصالحة قد يترك المؤسسة أمام نزاع أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا صدر في شأنها قرار بالتوظيف الإجباري للأداء بمبالغ تعتبرها غير مبررة.
وفي هذا السياق، دعت الجامعة الإدارة الجبائية إلى مراجعة التعديلات التي يثبت أنها ناتجة عن أخطاء أو تجاوزات، بدل تحميل المؤسسات تبعات مالية إضافية، مؤكدة أن الغاية من المصالحة ينبغي أن تكون الوصول إلى تسوية منصفة، لا مجرد استكمال إجراء قبل مواصلة النزاع.
وتجدر الإشارة إلى أن ما ورد في هذا الجانب يمثل مواقف وادعاءات أوردتها الجامعة في بيانها، ولا يعني في حد ذاته ثبوت حصول إخلالات في جميع الملفات أو الحالات التي تتعهد بها لجان المصالحة.
فرنسا حاضرة في مقترحات الإصلاح
واستشهدت الجامعة بالتجربة الفرنسية للدفاع عن مراجعة تركيبة اللجان التونسية، مشيرة إلى أن نسبة نجاح المصالحة في فرنسا تتجاوز، وفق الأرقام التي أوردتها، 95 بالمائة.
وعزت ذلك إلى تركيبة تضم قاضياً متخصصاً في الجباية وممثلين عن المطالبين بالأداء والإدارة الجبائية، معتبرة أن تعزيز الاستقلالية والتوازن بين الأطراف من شأنه أن يرفع من فرص التسوية الودية للنزاعات.
ولم يتضمن البيان تفاصيل أو إحالات توثيقية إضافية تسمح بالتحقق المستقل من النسبة المذكورة أو من مدى قابلية المقارنة المباشرة بين النظامين التونسي والفرنسي.
ماذا تريد الجامعة من قانون المالية لسنة 2027؟
تطالب الجامعة بإدخال تعديلات جوهرية على التشريع المنظم للصلح الجبائي، في مقدمتها جعل آراء لجان المصالحة ملزمة للإدارة، ومراجعة تركيبتها بما يضمن حيادها ويحد من تضارب المصالح.
كما تدعو إلى توضيح الإجراءات التي يتعين على الإدارة اتباعها بعد جلسات المصالحة، وضمان احترام حقوق المطالبين بالأداء، وتمكين ممثليهم من الاطلاع على الوثائق والحجج اللازمة لدراسة الملفات بصورة كاملة.
وتؤكد المنظمة المهنية أن هذه المطالب لا تتعلق فقط بتحسين إجراءات إدارية، بل بضمان وجود آلية قادرة على معالجة الخلافات الجبائية قبل أن تتفاقم انعكاساتها المالية على المؤسسات.
ويظل الإصلاح الذي تدعو إليه الجامعة مرتبطاً بمدى استجابة الجهات المعنية لمقترحاتها، وما إذا كان مشروع قانون المالية لسنة 2027 سيشكل فرصة لمراجعة هذه المنظومة.
وبين ضرورة حماية موارد الدولة وضمان استخلاص الأداءات المستحقة، من جهة، وحق المؤسسات في الاعتراض على التقديرات الجبائية التي ترى أنها غير صحيحة، من جهة أخرى، يطرح ملف المصالحة الجبائية سؤالاً أساسياً: كيف يمكن ضمان تسوية عادلة للنزاعات، دون أن تتحول الإجراءات الجبائية إلى عبء يهدد استمرارية المؤسسات؟
