الرئيسيةآخر الأخباربين طموح نزار يعيش وعقبات الواقع.. هل تضيء صحراء تونس بيوت أوروبا؟

بين طموح نزار يعيش وعقبات الواقع.. هل تضيء صحراء تونس بيوت أوروبا؟

أثارت التصريحات الأخيرة لوزير المالية الأسبق والخبير الدولي، نزار يعيش، تفاعلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية والتقنية، بعدما أكد أن استغلال ما بين 3% إلى 4% فقط من مساحة الصحراء التونسية كفيل بتوليد 100 جيغاوات من الطاقة الشمسية وتصديرها نحو أوروبا، مع توفير نحو 100 ألف موطن شغل. هذا الطرح الذي يبدو واعداً، يضعنا أمام تساؤل جوهري: هل نحن أمام حلم علمي قابل للتحقيق، أم صدمة واقعية تصطدم بجدار اللوجستيك والتمويل؟

من الناحية العلمية والنظرية، تبدو الأرقام دقيقة ولا غبار عليها. فالصحراء التونسية الممتدة تتمتع بمعدلات إشعاع شمسي تصنف ضمن الأعلى عالمياً، بما يتجاوز 3000 ساعة مشمسة سنوياً. وحسابياً، فإن فرش مساحة تتراوح بين 1200 و1600 كيلومتر مربع بألواح الطاقة الكهروضوئية الحديثة يمكنه بالفعل إنتاج تلك السعة الضخمة (100 جيغاوات). تونس تمتلك « الذهب الأصفر » تحت أشعتها، وهو أمر مثبت في خطط الطاقة العالمية.

ولكن، هنا ينتهي العلم وتبدأ معضلة الواقع. فالأزمة الحقيقية لا تكمن في توليد الطاقة، بل في كيفية نقلها وتصريفها. تونس تستهلك في أوقات ذروتها القصوى نحو 5 جيغاوات فقط، مما يعني أن 95% من هذه الطاقة المنتجة يجب أن تصدر فوراً إلى الشريك الأوروبي.

هنا يصطدم المشروع بالبنية التحتية الحالية؛ فمشروع الربط الكهربائي « ألميد » الجاري التخطيط له مع إيطاليا لا تتعدى قدرته الاستيعابية 0.6 جيغاوات. ولتصدير 100 جيغاوات، تحتاج المنطقة إلى شبكة معقدة وفلكية التكلفة من الكابلات البحرية العملاقة لنقل التيار المستمر عالي الجهد، وهي استثمارات تفوق قدرة الموازنات المحلية وتتطلب تمويلاً دولياً مباشراً وضخماً.

بالإضافة إلى ذلك، تفرض الطبيعة الصحراوية تحديات قاسية؛ فالعواصف الرملية وتراكم الغبار على الألواح يقللان من كفاءتها بشكل حاد، مما يتطلب تقنيات تنظيف جاف باهظة، أو هدر كميات كافية من المياه النادرة أصلاً في تلك المناطق. كما أن تذبذب الطاقة الشمسية وغيابها ليلاً يستوجب بناء منشآت تخزين عملاقة بالبطاريات أو تحويلها إلى هيدروجين أخضر، وهو مسار تكنولوجي ما زال في طور النضج التجاري عالمياً.

أما بخصوص الوعود بخلق 100 ألف موطن شغل، فإن خبراء قطاع الطاقة يشيرون إلى أن هذا الرقم يمكن ملامسته فقط خلال « مرحلة التشييد والبناء » التي تتطلب آلاف السواعد لتركيب الألواح ومد الشبكات وحفر القنوات. لكن بمجرد دخول المحطات مرحلة التشغيل الفعلي، فإنها تدار عبر فرق صيانة وتشغيل محدودة ومؤتمتة، مما يعني أن ديمومة هذه الوظائف ستكون مرتبطة بمدى قدرة تونس على توطين صناعات المعدات والكابلات محلياً.

في المحصلة، يعيد هذا المقترح إلى الأذهان مشروع « ديسيرتيك » الشهير الذي تعثر سابقاً لأسباب تمويلية وجيوسياسية. الطرح التونسي الجديد يثبت مجدداً أن تونس تمتلك المؤهلات الطبيعية لتكون لاعباً رئيسياً في الانتقال الطاقي الأوروبي، إلا أن تحويل هذا المؤهل إلى واقع ملموس يحتاج إلى استراتيجية تمتد لعقود، تبدأ بمراحل تجريبية صغيرة، وتعتمد بالأساس على مدى جدية الاتحاد الأوروبي في ضخ مئات المليارات لتحويل شمس تونس إلى كهرباء في بيوت القارة العجوز.

blank
مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى