الرئيسيةآخر الأخباربين تونس والصين ...حب من طرف واحد

بين تونس والصين …حب من طرف واحد

في أحد برامج القناة الوطنية الأولى، القناة « العمومية  » جرى تقديم الصين بعبارة تختزل جانباً من الخطاب المتداول بشأن العلاقات الدولية: الصين «حبيبتنا». لكن ماذا يحدث عندما نضع هذه العبارة أمام أرقام التجارة والاستثمار والتشغيل وتمويل المشاريع؟

هل يكفي أن تكون الصين قوة اقتصادية عالمية حتى تصبح شريكاً أفضل لتونس من أوروبا؟ وهل يعني التقارب السياسي معها أن الاقتصاد التونسي يجني بالضرورة مكاسب أكبر؟ أم أن تونس تخاطر باستبدال خطاب سياسي بآخر، من دون أن تتغير معادلات الإنتاج والتصدير والتشغيل؟

الإجابة لا تحتاج إلى إعلان الولاء لبكين أو الدفاع عن بروكسل. إنها تحتاج إلى العودة إلى الوثائق الرسمية، ومقارنة ما تشتريه تونس وما تبيعه، وما تستثمره الدول فعلياً، وعدد مواطن الشغل التي توفرها، والجهات التي تمول المشاريع التي تحمل توقيع شركات صينية.

والنتيجة الأولى التي تكشفها الأرقام هي أن أوروبا ليست مجرد شريك سياسي تقليدي لتونس، بل تمثل سوقها التصديرية الرئيسية ومصدراً مهماً للاستثمار وفرص العمل. أما الصين، فرغم أهميتها الصناعية والتجارية، فما زال حضورها الاستثماري المباشر في تونس محدوداً مقارنة بثقلها العالمي، وفق الأرقام المنشورة المتاحة.

blank

1. الميزان التجاري: الصين تبيع لتونس أكثر بكثير مما تشتري منها

ماذا تقول حصيلة سنة 2025؟

بحسب المعهد الوطني للإحصاء، بلغت صادرات تونس خلال سنة 2025 نحو 63.695 مليار دينار، مقابل واردات بقيمة 85.495 مليار دينار، لينتهي العام بعجز تجاري إجمالي قدره 21.8 مليار دينار، مقابل 18.93 مليار دينار سنة 2024.

أي إن العجز ارتفع بنحو 2.87 مليار دينار في سنة واحدة، بينما لم تتجاوز زيادة الصادرات 2.6 بالمائة، مقابل نمو الواردات بنسبة 5.5 بالمائة. وانخفضت نسبة تغطية الواردات بالصادرات من 76.6 بالمائة إلى 74.5 بالمائة.

التجارة الخارجية التونسية سنة 2025

الصادرات والواردات والعجز، بالمليار دينار، وفق المعهد الوطني للإحصاء.

0 مليار25 مليار50 مليار75 مليار100 مليارالصادراتالوارداتالعجز

هذه الأرقام لا تعني أن الصين وحدها مسؤولة عن العجز التونسي؛ فالمعهد الوطني للإحصاء يحدد العجز الطاقي بنحو 11.14 مليار دينار، إلى جانب عجز المواد الأولية ونصف المصنعة ومواد التجهيز والمواد الاستهلاكية. لكنها تعني أن تونس تواجه مشكلة هيكلية في قدرتها على تمويل وارداتها بصادراتها، وأن تقييم أي شريك اقتصادي ينبغي أن ينطلق من مساهمته في معالجة هذه المشكلة لا من مكانته السياسية فحسب.

أوروبا تشتري من تونس وتبيعها أيضاً

في سنة 2025، استوعب الاتحاد الأوروبي 69.9 بالمائة من الصادرات التونسية، بقيمة 44.53 مليار دينار. وفي الاتجاه المعاكس، بلغت الواردات التونسية من الاتحاد الأوروبي 37.32 مليار دينار، أي 43.7 بالمائة من إجمالي واردات البلاد.

وبذلك سجلت تونس فائضاً تجارياً إجمالياً مع الاتحاد الأوروبي يناهز 7.21 مليارات دينار، وفق عملية حسابية تستند إلى بيانات المعهد الوطني للإحصاء.

مبادلات تونس مع الاتحاد الأوروبي في 2025

مليار دينار؛ مقارنة الصادرات بالواردات.

0 مليار15 مليار30 مليار45 مليار60 مليارالصادرات إلى الاتحاد الأوروبيالواردات من الاتحاد الأوروبي

وهنا تظهر نقطة تستحق التوقف: العلاقة التجارية مع أوروبا ليست مجرد تدفق بضائع في اتجاه واحد. إنها علاقة إنتاج وتصدير وتوريد متبادل، ترتبط بها قطاعات تونسية عديدة، من الصناعات الكهربائية والميكانيكية إلى النسيج ومكونات السيارات والخدمات.

ومع ذلك، لا يجوز تحويل هذه الأرقام إلى مرافعة مطلقة لصالح أوروبا. فالفائض التجاري لا يقيس وحده جودة الوظائف أو الأجور أو نقل التكنولوجيا أو القيمة المضافة المحلية. لكنه يقدم مؤشراً أساسياً لا يمكن تجاهله عندما يتعلق الأمر باختيار وجهة الاقتصاد التونسي.

2. من يخلق مواطن الشغل فعلاً؟ هنا تظهر الفجوة الأكبر

إذا كان الميزان التجاري يكشف جانباً من العلاقة الاقتصادية، فإن الاستثمار الأجنبي يكشف جانباً آخر أكثر ارتباطاً بالحياة اليومية للتونسيين: الوظائف والأجور ونقل الخبرة.

في هذا الملف، تقدم الأرقام المنشورة عن سنة 2025 صورة لافتة.

وفق بيانات الوكالة التونسية للنهوض بالاستثمار الخارجي، التي نقلتها وكالة تونس إفريقيا للأنباء في مارس 2026، بلغت الاستثمارات الدولية في تونس نحو 3572.1 مليون دينار سنة 2025. وبلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة خارج قطاع الطاقة 2935.7 مليون دينار، موزعة على 921 عملية استثمارية، ساهمت في إحداث 14085 موطن شغل جديداً.

توزيع الاستثمار الأجنبي خارج قطاع الطاقة سنة 2025

مليون دينار، وفق بيانات الوكالة التونسية للنهوض بالاستثمار الخارجي.

0 م.د700 م.د1,4 k م.د2,1 k م.د2,8 k م.دمشاريع جديدةتوسعة مؤسسات قائمة

وتكشف التفاصيل أن المشاريع الجديدة، وعددها 102، وفرت 3914 وظيفة، في حين أسهمت 819 عملية توسعة لمؤسسات موجودة أصلاً في توفير 10171 وظيفة إضافية.

بعبارة أخرى، جاءت قرابة 72 بالمائة من الوظائف الجديدة من توسعة أنشطة شركات قائمة، لا من إقامة مشاريع جديدة. وهذا مؤشر على أهمية المحافظة على المؤسسات التي تعمل بالفعل في تونس، وتوسيع قدرتها على الإنتاج والتصدير، بدلاً من الاكتفاء بالإعلان عن اتفاقيات استثمار جديدة.

فرنسا: 170 ألف موطن شغل

تقدم البيانات المنشورة عن العلاقات الاقتصادية الفرنسية التونسية مثالاً أكثر تحديداً.

فوفق المديرية العامة للخزينة الفرنسية، في بيانات نشرت يوم 4 جوان 2026، توجد نحو 1600 مؤسسة ذات مساهمة فرنسية في تونس، توفر مجتمعة حوالي 170 ألف موطن شغل. كما تشير البيانات الفرنسية إلى إحداث 4400 وظيفة خلال سنة 2025، وإلى أن فرنسا ظلت أكبر مستثمر أجنبي في تونس، بمخزون استثمارات يقدر بنحو 2.5 مليار يورو في سنة 2023.

Direction générale du Trésor

هذه الأرقام لا تعني أن كل استثمار فرنسي ناجح، ولا أن فرنسا تقدم لتونس أفضل الشروط الممكنة دائماً. لكنها تضع النقاش في حجمه الواقعي: نحن نتحدث عن شبكة واسعة من المؤسسات الصناعية والخدمية التي تشغّل عشرات الآلاف من التونسيين وترتبط بسلاسل إنتاج وتصدير.

والأهم أن عدداً من هذه المؤسسات لا ينتج للسوق المحلية فقط، بل يندمج في سلاسل قيمة دولية، وهو ما يجعل استمرارها وتطويرها مرتبطين بقدرة تونس على الحفاظ على تنافسيتها الصناعية.

ألمانيا: قرابة 100 ألف وظيفة

في الاتجاه نفسه، تشير وزارة الخارجية الألمانية، في بياناتها المنشورة في جويلية 2026، إلى أن الشركات الألمانية أحدثت حوالي 100 ألف موطن شغل في تونس، مع حضور قوي في صناعة مكونات السيارات والنسيج وخدمات تكنولوجيا المعلومات.

وتؤكد البيانات الألمانية أن ألمانيا هي ثاني أكبر مستثمر أجنبي في تونس، وأن المبادلات التجارية بين البلدين حققت فائضاً لفائدة تونس سنة 2025؛ إذ بلغت الواردات الألمانية من تونس 3.3 مليارات يورو، مقابل صادرات ألمانية إلى تونس بقيمة 2.1 مليار يورو.

وهنا ينبغي الانتباه إلى فرق مهم: هذه الأرقام تخص الوظائف التي توفرها الشركات الألمانية عموماً، ولا تعني أن جميعها وظائف أُحدثت سنة 2025. كما أن أرقام الوظائف الفرنسية والألمانية ليست بالضرورة محسوبة وفق منهجية واحدة، لذلك لا يصح استخدامها لترتيب نهائي دقيق من دون توحيد التعريفات والفترات الإحصائية.

لكنها، في المقابل، تكشف عن حجم حضور صناعي متراكم يصعب تعويضه بمجرد إعلان التوجه نحو شريك جديد.

3. الصين في تونس: 22 مؤسسة وأكثر من 1100 وظيفة

ماذا عن الصين التي تُطرح أحياناً باعتبارها البديل الاقتصادي الذي يمكن أن يعوض أوروبا؟

في 28 أكتوبر 2025، نقلت وكالة تونس إفريقيا للأنباء عن الوكالة التونسية للنهوض بالاستثمار الخارجي أن 22 مؤسسة صينية كانت تنشط في تونس، باستثمارات تجاوزت 31 مليون دينار، وتوفر نحو 1100 موطن شغل.

هذه هي الأرقام المنشورة التي يمكن الاستناد إليها في هذا السياق. وهي تطرح أسئلة مشروعة حول حجم الحضور الاستثماري الصيني، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على كامل النشاط الصيني في تونس، ولا تثبت أن الشركات الصينية الموجودة هي جميع الشركات التي تتعامل مع السوق التونسية.

فقد تكون هناك شركات مقاولات تنفذ مشاريع محددة، وموردون لا يمتلكون مؤسسات محلية، ومشاريع لم تدخل بعد مرحلة الإنتاج. كما أن رقم 31 مليون دينار يتعلق بالاستثمارات المباشرة التي أوردتها الوكالة، وليس بالقيمة الإجمالية لكل العقود أو المشتريات الصينية في تونس.

مع ذلك، فإن المقارنة الأولية تثير الانتباه: 22 مؤسسة صينية توفر نحو 1100 وظيفة، مقابل شبكة فرنسية تضم حوالي 1600 مؤسسة وتوفر 170 ألف وظيفة، وشركات ألمانية تشير البيانات الرسمية إلى أنها توفر قرابة 100 ألف وظيفة.

لا يمكن اعتبار هذه مقارنة متكافئة تماماً، لاختلاف نطاق البيانات وطريقة احتساب المؤسسات والوظائف، لكنها تكشف أن الحضور الاقتصادي الصيني المباشر الموثق في تونس لا يزال بعيداً عن الحجم الذي توحي به صورة الصين بوصفها قوة صناعية عالمية.

السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه الجهات الرسمية ليس عدد الاتفاقيات الموقعة مع الصين، بل حجم الاستثمارات التي تحولت فعلياً إلى مصانع منتجة، وعدد الوظائف الدائمة التي أحدثتها، وحجم الصادرات التي تولدها تلك المصانع.

4. جسر بنزرت: عندما يأتي التمويل من أوروبا والتنفيذ من الصين

蜀道集团中标突尼斯地标大桥,成功进入北非市场_四川在线
والي بنزرت: الجسر الجديد الأول من نوعه في أفريقيا والثاني في العالم | Mosaique FM

中企承建突尼斯比塞大大桥进入主体结构施工阶段--国际--人民网

10

يقدم مشروع جسر بنزرت مثالاً عملياً على تعقيد العلاقات الاقتصادية الدولية، وعلى خطأ اختزالها في ثنائية الصين أو أوروبا.

في 26 مارس 2024، أعلنت وزارة التجهيز والإسكان توقيع عقد إنجاز الجسر الرئيسي لمشروع الربط بين الطريق السيارة أ4 ومدينة بنزرت مع الشركة الصينية «سيشوان للطرقات والجسور»، بقيمة 610 ملايين دينار.

لكن من يمول المشروع؟

وفق البنك الأوروبي للاستثمار، تبلغ مساهمته التمويلية 123 مليون يورو، بضمان من الاتحاد الأوروبي، بينما يقدم البنك الإفريقي للتنمية قرضاً بقيمة 122 مليون يورو، إلى جانب مساهمة الدولة التونسية. ويبلغ إجمالي ميزانية المشروع نحو 750 مليون دينار، أي ما يقارب 250 مليون يورو وفق تقديرات البنك.

الأرقام الأساسية لجسر بنزرت

عقد الشركة الصينية

610 ملايين د.ت

تمويل البنك الأوروبي

123 مليون يورو

قرض البنك الإفريقي

122 مليون يورو

ميزانية المشروع الإجمالية

750 مليون د.ت

المصادر: وزارة التجهيز والإسكان والبنك الأوروبي للاستثمار.

توضح هذه الحالة أن الشركة الصينية هي المقاول الفائز بالعقد، لكنها ليست الجهة التي توفر وحدها التمويل. فقد أسهمت المؤسسات المالية الأوروبية والإفريقية في تعبئة الموارد اللازمة لإنجاز المشروع.

وهذا ليس تناقضاً بالضرورة. فالمقاول الصيني فاز بعقد بعد دعوة دولية للمنافسة، والجهات الممولة توفر القروض وفق شروطها، فيما تحصل تونس على بنية تحتية يفترض أن تخدم الاقتصاد الوطني.

لكن هذه الحالة تفتح باباً لتحقيق أكثر عمقاً: ما حجم القيمة المضافة التي تبقى في تونس من المشروع؟ كم تبلغ حصة المؤسسات التونسية من المناولة؟ كم عاملاً تونسياً سيستفيد من الوظائف المباشرة وغير المباشرة؟ وهل ستؤدي البنية التحتية الجديدة إلى تحسين حركة التجارة والإنتاج بما يبرر كلفتها؟

هذه الأسئلة أهم من جنسية الشركة المنفذة وحدها.

5. القطارات الصينية: صفقة بقيمة 38.2 مليون يورو بتمويل أوروبي

شركة نقل تونس توقع عقدا لاقتناء 18 عربة قطار كهربائي جديدة لخط تونس-حلق الوادي-المرسى

يتكرر المشهد نفسه في قطاع السكك الحديدية.

ففي 30 جوان 2026، وقعت الشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية عقداً مع شركة «سي آر آر سي» الصينية لاقتناء خمسة قطارات كهربائية متعددة العربات، بقيمة إجمالية تبلغ 38.2 مليون يورو.

ووفق البلاغ الرسمي للشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية، يندرج العقد ضمن مشروع مضاعفة الخط الحديدي الرابط بين المكنين والمهدية وكهربته، وهو مشروع ممول من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية. ومن المقرر تسلم الدفعة الأولى من القطارات في غضون سنتين من توقيع العقد.

الشركة الوطنيّة للسّكك الحديديّة التونسيّة

+1

هذا مثال ثانٍ على التداخل بين التمويل والتنفيذ: شركة صينية تورد المعدات، ومؤسسة مالية أوروبية تمول المشروع، ومؤسسة تونسية تتولى تشغيل القطارات لخدمة النقل العمومي.

لكن لا ينبغي الخلط بين قيمة الصفقة وبين استثمار صيني مباشر في تونس. فاقتناء القطارات عقد توريد معدات، وليس بالضرورة إنشاء مصنع صيني محلي أو نقل تكنولوجيا إنتاج القطارات إلى تونس.

والسؤال هنا: هل ستقتصر العلاقة على شراء المعدات الجاهزة، أم يمكن لتونس أن تفاوض مستقبلاً على برامج لصيانة القطارات محلياً، وتكوين المهندسين والفنيين، وتطوير نسبة المكونات المصنعة محلياً؟

إن الانتقال من الاستيراد إلى اكتساب المعرفة الصناعية هو الذي يحول الصفقة إلى فرصة تنموية أوسع.

6. هل العجز التجاري مع الصين يعني أن العلاقة خاسرة؟

ليس بالضرورة. وهذه نقطة أساسية ينبغي ألا يتجاوزها أي تحقيق جاد.

قد تستورد تونس من الصين معدات صناعية أو مكونات تستعملها مؤسسات تونسية لإنتاج سلع تصدر لاحقاً إلى أوروبا. وفي هذه الحالة، قد تسهم الواردات الصينية بصورة غير مباشرة في دعم الصادرات التونسية.

كما أن بعض السلع المستوردة قد تكون ضرورية لتطوير البنية التحتية أو تحديث وسائل النقل أو خفض كلفة الإنتاج. ولا يمكن اعتبار كل دينار من الواردات خسارة اقتصادية.

لكن هذه الحجة لا تبرر تجاهل العجز التجاري. المطلوب هو معرفة تركيب الواردات: هل تتكون من آلات ومعدات تزيد قدرة تونس الإنتاجية، أم من سلع استهلاكية لا تقابلها صادرات تونسية كافية؟ وما القيمة المضافة التي تولدها هذه الواردات داخل البلاد؟

وتوفر بيانات المعهد الوطني للإحصاء لسنة 2025 مؤشراً مهماً: العجز التجاري الإجمالي بلغ 21.8 مليار دينار، لكن العجز الطاقي وحده وصل إلى 11.14 مليار دينار، فيما بلغ عجز المواد الأولية ونصف المصنعة نحو 5.86 مليارات دينار، وعجز مواد التجهيز 3.73 مليارات دينار.

لذلك فإن إصلاح الميزان التجاري لا يمر فقط عبر تقليص الواردات الصينية، بل أيضاً عبر تطوير الإنتاج المحلي، وتحسين القدرة التصديرية، وخفض التبعية الطاقية، ورفع القيمة المضافة للصناعة التونسية.

وإذا كانت الصين قادرة على المساعدة في تحقيق هذه الأهداف، فينبغي أن تكون شريكاً مرحباً به. أما إذا بقيت العلاقة قائمة أساساً على شراء المنتجات الصينية من دون توسع ملموس في الإنتاج المحلي والصادرات، فإن مكاسبها ستكون أقل مما يوحي به حجم الاقتصاد الصيني.

7. هل تستطيع تونس استبدال أوروبا بالصين وروسيا؟

هنا نصل إلى السؤال السياسي الذي يقف خلف عبارة «الصين حبيبتنا».

في العلاقات الدولية، لا يكفي أن ترغب دولة في تنويع شركائها حتى تتمكن فوراً من تغيير وجهة تجارتها واستثماراتها. فالعلاقات الاقتصادية تتشكل عبر عقود من الاستثمار، وشبكات الموردين، ومعايير الإنتاج، والخدمات اللوجستية، واتفاقيات التبادل، وعلاقات الشركات بعضها ببعض.

تونس مرتبطة بالسوق الأوروبية ارتباطاً عميقاً. فقد استوعب الاتحاد الأوروبي نحو 69.9 بالمائة من صادراتها في سنة 2025، فيما بلغ حجم صادرات تونس إليه 44.53 مليار دينار.

blank

INS

+1

هذا لا يعني أن تونس يجب أن تظل معتمدة على أوروبا إلى الأبد. بل إن تنويع الشراكات مع الصين والهند وروسيا والأسواق الإفريقية والعربية قد يكون مفيداً، إذا ساهم في فتح أسواق جديدة وتوسيع الإنتاج المحلي.

لكن التنويع شيء، واستبدال شريك بآخر لمجرد اعتبارات سياسية شيء مختلف تماماً.

فالصين ليست مؤسسة خيرية، وروسيا ليست بديلاً تلقائياً لأوروبا، كما أن الاتحاد الأوروبي لا يمنح تونس مكاسب من دون مصالح مقابلة. كل طرف يتحرك وفق حساباته، وكل اتفاق ينبغي أن يخضع لتقييم اقتصادي واضح.

المعيار الحقيقي ليس هوية الشريك، بل ما تحصل عليه تونس من كل شراكة.

8. ما الذي لا تكشفه الأرقام المنشورة حتى الآن؟

لكي يتحول هذا التقرير من مقارنة اقتصادية إلى تحقيق استقصائي مكتمل، ينبغي ألا نكتفي بالأرقام الإجمالية. هناك أسئلة لا تجيب عنها البيانات المنشورة التي أمكن التثبت منها، وتستحق توجيهها إلى المؤسسات الرسمية والمستثمرين.

أسئلة تستحق إجابات رسمية

  1. كم بلغت الاستثمارات الصينية المباشرة التي دخلت تونس فعلياً في كل سنة من السنوات الخمس الأخيرة، بعيداً عن قيمة العقود التجارية وصفقات التوريد؟
  2. كم وظيفة دائمة أحدثتها الشركات الصينية، وكم منها ما زال قائماً، وما متوسط الأجور ومستوى التأهيل؟
  3. ما قيمة الصادرات التونسية إلى الصين سنوياً، وما السلع والخدمات التي تتكون منها؟ وما نسبة الواردات الصينية التي تستخدمها مصانع تونسية لإنتاج سلع موجهة للتصدير؟
  4. ما حجم المناولة التي تسندها الشركات الصينية إلى مؤسسات تونسية في المشاريع الكبرى، وما نسبة القيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد الوطني؟
  5. ما الالتزامات المتعلقة بالتكوين ونقل التكنولوجيا والصيانة المحلية التي تتضمنها العقود الصينية؟ وهل توجد آليات رسمية لمتابعة تنفيذها؟
  6. في المشاريع التي تمولها مؤسسات أوروبية وتنفذها شركات صينية، ما الشروط المتعلقة بالمنافسة، والتشغيل المحلي، والشفافية، والكلفة النهائية؟

ومن المهم أيضاً مطالبة الوكالة التونسية للنهوض بالاستثمار الخارجي بنشر بيانات مقارنة حسب بلد المنشأ، تتضمن قيمة الاستثمار المنفذ، وعدد الوظائف المباشرة، والوظائف التي ما زالت قائمة، والصادرات التي تحققها المؤسسات المستفيدة.

فمن دون هذه البيانات، يظل الحكم على الأداء الصيني أو الأوروبي ناقصاً، ويصبح النقاش عرضة للشعارات والمبالغات.

الخلاصة: الصين حبيبة تونس، لكن الاقتصاد لا يعرف لغة العواطف

تقدم الأرقام المتاحة صورة أكثر تعقيداً من الخطاب الذي يختزل العلاقات الدولية في أصدقاء وأعداء.

فالصين قوة صناعية كبرى، وشريك يمكن لتونس أن تستفيد منه في البنية التحتية والنقل والتكنولوجيا. لكنها تسجل، وفق الأرقام الثنائية الواردة في المعطيات المتاحة، عجزاً تجارياً تونسياً كبيراً، كما أن البيانات المنشورة عن مؤسساتها المباشرة في البلاد تشير إلى حضور محدود مقارنة بشبكات الاستثمار الفرنسية والألمانية.

في المقابل، تمثل أوروبا السوق الرئيسية للصادرات التونسية، وتضم مؤسسات توفر عشرات الآلاف من الوظائف، وتشارك مؤسساتها المالية في تمويل مشاريع استراتيجية، بعضها تنفذه شركات صينية.

ولا تثبت هذه المعطيات أن أوروبا أفضل من الصين في كل المجالات، ولا أنها شريك بلا شروط أو مصالح خاصة. لكنها تثبت أن أي دعوة إلى تحويل وجهة الاقتصاد التونسي يجب أن تقدم إجابات عملية عن التجارة والتشغيل والاستثمار ونقل التكنولوجيا.

أما العبارة التي تصف الصين بأنها «حبيبتنا»، فيمكن أن تبقى تعبيراً عن الود السياسي. لكن عندما يتعلق الأمر بمستقبل الاقتصاد التونسي، فإن السؤال الأكثر أهمية هو: هل يتحول هذا الود إلى مصانع وصادرات ووظائف وتقنيات جديدة؟

ففي العلاقات الدولية، ليس المطلوب أن تختار تونس حبيبة جديدة، بل أن تتفاوض مع كل شريك بما يضمن مصالحها. والحب من طرف واحد ليس مصطلحاً اقتصادياً، لكن العجز التجاري، والاستثمار المنفذ، ومواطن الشغل، أرقام يمكن قياسها ومحاسبة المسؤولين على أساسها.

المصادر الأساسية التي يستند إليها التحقيق

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى