شركات واجهة وذهب مجهول المصدر وعمولات مالية وسيارات فاخرة بقيمة 25 مليون دينار.. كيف تحوّل نشاط تجاري مشروع إلى ملف شبهات غسل أموال يضع تجارًا وحرفيين تحت التحقيق؟
تتسع دائرة الأبحاث في قضية يُشتبه في ارتباطها بشبكة تنشط في تجارة الذهب وصناعة المصوغ، بعدما أعلنت الإدارة العامة للأمن الوطني الاحتفاظ بستة مشتبه بهم جدد من حرفيي المصوغ بسوق الذهب في صفاقس، لترتفع حصيلة المحتفظ بهم، وفق المعطيات الأمنية المنشورة، إلى 19 شخصًا، في ملف تتداخل فيه شبهات غسل الأموال والتهرب الضريبي والتدليس والتلاعب بقواعد توزيع الذهب.
وتتجاوز خطورة القضية، وفق ما تكشفه المعطيات الأولية، مجرد حجز كميات من الذهب والفضة أو إيقاف عدد من الناشطين في القطاع، إذ تتعلق الأبحاث بشبهات استغلال آليات التزويد بالذهب المسند من البنك المركزي، وتمرير حصص من هذه الكميات إلى أطراف أخرى مقابل عمولات مالية، في عمليات يُشتبه في أنها استُخدمت لإضفاء مظهر قانوني على معاملات محل شبهة.
ستة محتفظ بهم جدد.. والأبحاث تصل إلى حرفيي صفاقس
في أحدث تطورات القضية، تولّت الإدارة الفرعية للأبحاث الاقتصادية والمالية بإدارة الشرطة العدلية بالقرجاني الاحتفاظ بستة أشخاص جدد، وهم حرفيو مصوغ ينشطون بسوق الذهب في صفاقس، وفق بلاغ الإدارة العامة للأمن الوطني الصادر يوم الخميس 22 أكتوبر 2026.
وتتمثل أبرز التهم الموجهة إليهم، بحسب البلاغ، في تكوين وفاق يُشتبه في استغلاله لغسل أموال متأتية من التهرب الضريبي، والتدليس ومسك واستعمال وثائق مدلسة، ومخالفة التراتيب الجاري بها العمل والإضرار بالإدارة.
كما تتعلق الشبهات بقبول عمولات مالية مقابل التفريط في حصصهم من كميات الذهب المسندة إليهم من البنك المركزي لفائدة بقية الأطراف المشتبه في تورطها في القضية.
وتطرح هذه المعطيات سؤالًا محوريًا في مسار التحقيق: هل اقتصر الأمر على مخالفات فردية في التصرف في حصص الذهب، أم أن الأبحاث ستكشف عن منظومة أوسع استُخدمت فيها علاقات مهنية وتجارية لتدوير كميات الذهب والأموال المرتبطة بها؟
وحتى الآن، تظل الإجابة رهينة نتائج الأبحاث وما قد تكشفه التحقيقات المالية والقضائية، دون اعتبار التهم الموجهة إلى المحتفظ بهم دليلًا على ثبوت مسؤوليتهم.
70 كيلوغرامًا من الذهب.. ماذا تكشف المحجوزات؟
كانت الأبحاث قد أفضت، وفق المعطيات الأمنية المنشورة، إلى الاحتفاظ بـ13 شخصًا في مرحلة سابقة من القضية، مع حجز أكثر من 70 كيلوغرامًا من الذهب و4.5 كيلوغرامات من الفضة مجهولة المصدر.
كما شملت المحجوزات مبلغًا ماليًا تجاوز 120 ألف دينار، وتسع سيارات فاخرة قُدرت قيمتها الإجمالية بنحو 25 مليون دينار.
وتمنح هذه الأرقام الملف بُعدًا ماليًا لافتًا، خصوصًا أن قيمة السيارات المحجوزة تثير تساؤلات بشأن مصادر تمويلها ومدى ارتباطها بالنشاط موضوع التحقيق. غير أن تحديد الصلة بين الممتلكات المحجوزة والجرائم المشتبه فيها يظل من المسائل التي يتعين أن تحسمها الأبحاث والجهات القضائية المختصة.
أما الذهب والفضة مجهولا المصدر، فيمثلان أحد المفاتيح الأساسية لفهم مسار القضية: من أين جاءت هذه الكميات؟ ومن تولى شراءها أو بيعها؟ وهل تتطابق الوثائق التجارية المتعلقة بها مع مصادرها الفعلية؟
هذه أسئلة لا تجيب عنها المحجوزات وحدها، لكنها تفسر أهمية تتبع الفواتير والسجلات التجارية وحركة الأموال بين الأطراف المعنية.
طنان من الذهب خلال ست سنوات.. رقم يحتاج إلى التدقيق
وتتداول معطيات مرتبطة بالقضية تقديرًا يفيد بأن نشاطًا محل شبهة شمل نحو طنين من الذهب المعد للتكسير على امتداد ست سنوات، مع الاشتباه في استخدام شركات واجهة وسجلات شراء وتزويد تخص حرفيين لتمرير معاملات يُشتبه في عدم مطابقتها للقوانين.
وإذا تأكد هذا الحجم من النشاط في إطار الأبحاث، فسيكون من الضروري تحديد الكميات التي دخلت فعليًا في العمليات المشبوهة، والتمييز بينها وبين الكميات التي جرى تداولها بصورة قانونية، فضلًا عن تحديد قيمة المعاملات والأطراف المستفيدة منها.
لكن رقم الطنين، في غياب تفاصيل رسمية منشورة تحدد كيفية احتسابه ومصدره والفترة التي يغطيها بدقة، لا يمكن التعامل معه باعتباره كمية ثبت قضائيًا أنها جرى غسلها أو الاتجار بها بصورة غير قانونية.
وتكمن أهمية هذا التفصيل في أن حجم الذهب المتداول، وقيمة المعاملات المرتبطة به، والأموال التي يشتبه في غسلها، مفاهيم مختلفة لا يجوز الخلط بينها عند تقدير الحجم الحقيقي للقضية.
كيف يُشتبه في تمرير الذهب عبر القنوات التجارية؟
بحسب المعطيات المتداولة بشأن الملف، تتركز إحدى فرضيات التحقيق حول احتمال استغلال الوثائق المهنية وحصص التزويد لإضفاء مظهر قانوني على معاملات تتعلق بالذهب مجهول المصدر.
ويُشتبه في أن بعض الأطراف عمدت إلى التفريط في حصص من الذهب المسندة إليها لفائدة أطراف أخرى مقابل عمولات، مع الاستفادة من خصائص النشاط المهني والعلاقات التجارية لتسهيل المعاملات.
وفي مثل هذه الملفات، لا يكفي إثبات انتقال الذهب بين أكثر من تاجر أو حرفي لإثبات وجود غسل أموال؛ إذ يتطلب الأمر التثبت من مصدر الأموال، وطبيعة العمليات، ومدى صحة الوثائق المستخدمة، وما إذا كانت المعاملات قد استُخدمت فعلًا لإخفاء مصدر غير مشروع أو التهرب من الالتزامات القانونية والجبائية.
ومن هنا، تبدو مراجعة سجلات التزويد والشراء والبيع، ومقارنتها بالكميات الفعلية المتداولة، من المسائل التي يمكن أن تساعد على تحديد طبيعة التجاوزات المشتبه فيها وحجمها.
السيارات الفاخرة والعقارات.. أين انتهت الأموال؟
تشير المعلومات المتداولة بشأن القضية إلى شبهات توظيف عائدات النشاط محل التحقيق في شراء سيارات فاخرة واستثمارات عقارية.
وإذا أثبتت التحقيقات وجود صلة مالية بين هذه الممتلكات والعمليات المشتبه فيها، فإن ذلك قد يساعد على تحديد المستفيدين النهائيين من الأموال وتتبع مسارها بعد خروجها من النشاط التجاري الأصلي.
لكن قيمة السيارات المحجوزة، على أهميتها، لا تكفي وحدها لإثبات أن ثمنها دُفع من عائدات غسل الأموال. فذلك يستوجب فحص مصادر التمويل، وتواريخ الشراء، والملكية الفعلية، والحسابات والتحويلات ذات الصلة، وفق ما تسمح به الإجراءات القانونية.
كما يبقى تحديد ما إذا كانت هناك شركات أو أطراف أخرى لعبت دور الوسيط، أو استفادت من المعاملات، من المسائل التي قد تتضح مع تقدم الأبحاث.
من صفاقس إلى شبكة أوسع.. ما الذي لم يُكشف بعد؟
إن وصول الأبحاث إلى حرفيين بسوق الذهب في صفاقس، بعد الاحتفاظ بـ13 طرفًا في مرحلة سابقة، يوسع دائرة الأطراف التي يجري التحقيق معها، لكنه لا يعني بالضرورة أن جميع المحتفظ بهم أدوا الأدوار نفسها أو كانوا على علم بكل تفاصيل العمليات المشتبه فيها.
وتبقى الأسئلة الأساسية المطروحة أمام المحققين مرتبطة بمصدر الذهب مجهول المصدر، وطبيعة العلاقة بين التجار وأصحاب المصانع والحرفيين، وحقيقة العمولات المالية المشتبه في دفعها، ومدى تطابق حصص التزويد مع الكميات التي وقع تداولها فعليًا.
كما يظل تحديد حجم الأموال التي يشتبه في غسلها، إن ثبتت هذه الشبهات، منفصلًا عن القيمة الإجمالية للمحجوزات وعن قيمة السيارات والعقارات التي قد تكون محل تتبع.
القضية لم تصل بعد إلى كلمة الفصل. فالمعطيات الأمنية تكشف عن محجوزات كبيرة وعدد متزايد من المحتفظ بهم وشبهات تمس مسالك تجارة الذهب، لكن تحديد المسؤوليات الفردية، وإثبات الجرائم، وكشف المستفيدين الحقيقيين، يظل من اختصاص الأبحاث والجهات القضائية.
وفي انتظار ما ستكشفه المراحل المقبلة، يبقى السؤال الأهم: هل يتعلق الملف بتجاوزات متفرقة داخل سوق المصوغ، أم أن تتبع الذهب والأموال والوثائق سيقود إلى كشف شبكة أوسع من المعاملات المشبوهة؟
