ما يجري في منطقة الساحل الإفريقي خلال الأيام الأخيرة يتجاوز التحركات العسكرية المعزولة. نحن أمام مؤشرات على إعادة ترتيب الوجود العسكري والنفوذ الأمني في منطقة تمتد من جنوب ليبيا إلى شمال النيجر وتشاد، وصولا إلى مالي والجزائر.
ثلاثة تطورات متزامنة تستحق المتابعة: قرار الجزائر إرسال وحدات من جيشها إلى النيجر لحماية مصالحها الاقتصادية والطاقية، إعلان فرنسا عودة طائراتها العسكرية إلى تشاد بعد مغادرة آخر جنودها، وتحركات عسكرية ليبية لتأمين الحدود الشرقية والغربية والجنوبية.
والقاسم المشترك بين هذه التطورات هو أن منطقة الساحل والصحراء أصبحت مجالا تتقاطع فيه حسابات أمن الحدود ومكافحة الجماعات المسلحة وحماية المنشآت النفطية والغازية، فضلا عن التنافس على النفوذ الإقليمي.

1 ـ الجزائر تكسر أحد أبرز ثوابت عقيدتها العسكرية
تطور استراتيجي مهم
أعطى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، يوم 26 أكتوبر 2026، قرارا بإرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى النيجر، بهدف حماية المصالح الاقتصادية والطاقية المشتركة بين البلدين، وفق بيان الرئاسة الجزائرية.
وكان البرلمان الجزائري قد صادق يوم 25 أكتوبر على السماح بهذا الانتشار، في خطوة تمثل تحولا تاريخيا في العقيدة العسكرية الجزائرية التي ظلت تقليديا تتحفظ على إرسال قواتها إلى خارج الحدود.
ووفقا لوكالة رويترز، سيكون هذا أول انتشار عسكري جزائري رسمي خارج البلاد منذ مشاركة قوات جزائرية في دعم مصر خلال حرب 1973.
لكن الأهم هو الموقع الجغرافي الذي يدور حوله هذا الانتشار.
فمنطقة ماداما في أقصى شمال النيجر، بالقرب من الحدود الليبية، تكتسي أهمية استراتيجية باعتبارها ممرا صحراويا يربط شمال النيجر بجنوب ليبيا، ومنها إلى المجال المغاربي.
ويرتبط الاهتمام الجزائري أيضا بمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يجمع الجزائر والنيجر ونيجيريا، وبالاستثمارات الطاقية الجزائرية في النيجر، بما فيها أنشطة شركة سوناطراك.
وبالتالي فإن حماية المصالح الطاقية ليست مجرد عنوان سياسي، بل ترتبط بممرات استراتيجية ومنشآت ومشاريع اقتصادية تريد الجزائر ضمان استمرارها في منطقة تشهد اضطرابات أمنية متواصلة.

2 ـ هل وصل أول فوج جزائري إلى النيجر؟ وما علاقة أرليت؟
هنا يجب التمييز بين قرار الانتشار العسكري وبين تنفيذه ميدانيا.
المعلومات المؤكدة تتحدث عن إرسال وحدات جزائرية إلى النيجر، لكن النقطة التي يجري الحديث عنها في التقارير الصحفية هي قاعدة ماداما، وليس أرليت.
وتقع ماداما في شمال النيجر، على مسافة تقارب 100 كيلومتر من الحدود الليبية، وكانت قاعدة متقدمة للقوات الفرنسية خلال عملية برخان قبل مغادرتها سنة 2023.
أما أرليت، فهي مدينة في منطقة أغاديز شمال النيجر، وترتبط تاريخيا بالنشاط المنجمي واليورانيوم، وليست الموقع الذي حددته التقارير باعتباره قاعدة الانتشار الجزائري المرتقب.
والأهم أن وكالة أسوشيتد برس ورويترز لم تكونا قد أكدتا وصول وحدات برية جزائرية إلى ماداما عند نشر تقاريرهما الأولى. لذلك لا يمكن التعامل مع خبر وصول أول فوج إلى أرليت باعتباره حقيقة مثبتة حتى الآن.
لكن هناك تطورا عسكريا سابقا موثقا: ففي 30 أوت 2026 أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية وصول أربع طائرات مقاتلة من طراز سوخوي 30، مصحوبة بطائرة للتزود بالوقود، إلى مطار نيامي، بناء على طلب السلطات النيجرية، في إطار دعمها الأمني عقب محاولة زعزعة الاستقرار التي شهدتها العاصمة.
وهذا يعني أن التعاون العسكري الجزائري النيجري انتقل بالفعل إلى مرحلة الدعم الجوي، بينما يمثل قرار إرسال وحدات برية خطوة إضافية إذا جرى تنفيذه.
3 ـ ليبيا تتحرك على جبهاتها الحدودية.. وماداما في قلب الحسابات
التحرك الليبي يستحق بدوره الانتباه، خصوصا أن الجنوب الليبي يمثل منطقة عبور استراتيجية بين ليبيا والنيجر وتشاد والجزائر.
لكن توجد نقطة مهمة: ما تأكد في المصادر المتاحة هو اتفاق عسكري وأمني بين سلطات الشرق والغرب الليبيين على تنفيذ مهمات ميدانية مشتركة لحماية الحدود، وليس تأكيدا مستقلا على أن أرتالا عسكرية كبيرة انتشرت بالفعل في الاتجاهات الثلاثة.
ففي 8 أكتوبر، اتفقت الأطراف العسكرية والأمنية الليبية، خلال اجتماع عقد في طرابلس بمشاركة نحو 45 ضابطا، على تفعيل التنسيق بين مركزي الاتصال وتبادل المعلومات في طرابلس وبنغازي، وتنظيم مجموعات عمليات مشتركة لمراقبة الحدود.
وهذه خطوة لافتة لأن المؤسسات العسكرية الليبية ما زالت منقسمة بين سلطات الغرب والقوات التابعة للمشير خليفة حفتر في الشرق والجنوب.
والأكثر إثارة أن قاعدة ماداما أصبحت بدورها موضوعا لتنافس محتمل على النفوذ.
فبحسب وكالة «نوفا» الإيطالية، كانت حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس تدرس إمكانية استخدام هذه القاعدة لدعم قوات ليبية معارضة لنفوذ حفتر، في حين يجري الحديث عن إمكانية تمركز وحدات جزائرية فيها بطلب من نيامي.
إذا صحت هذه المعطيات، فإن ماداما لن تكون مجرد قاعدة عسكرية صحراوية، بل نقطة ارتكاز في معادلة النفوذ بين الجزائر والنيجر والأطراف الليبية المتنافسة.
4 ـ فرنسا تعود إلى تشاد.. ولكن بحضور مختلف
في تطور لا يقل أهمية، أعلنت هيئة الأركان الفرنسية يوم 29 أكتوبر أن طائرتين مقاتلتين من طراز ميراج 2000 وطائرة نقل عسكري من طراز كاسا ستتوقف قريبا في تشاد.
وستكون المحطة قصيرة لأغراض فنية، مع تنفيذ أنشطة تدريبية، في إطار تمرين عسكري مقرر خلال نوفمبر في ساحل العاج والغابون.
وتكتسب هذه الخطوة دلالتها من كونها أول عودة معلنة لطائرات عسكرية فرنسية إلى الأراضي التشادية منذ مغادرة آخر الجنود الفرنسيين في نهاية جانفي 2025.
باريس وصفت التطور بأنه استئناف للتعاون العسكري، مؤكدة احترام سيادة تشاد والمساهمة في تعزيز قدرات قواتها الجوية.
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد استقبل الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي في باريس خلال أكتوبر، في إطار إعادة بناء العلاقات بين البلدين بعد إنهاء تشاد اتفاقها الدفاعي مع فرنسا سنة 2024.
لكن لا ينبغي الخلط بين هذه المحطة الفنية القصيرة وبين إعادة إنشاء قاعدة عسكرية فرنسية دائمة في تشاد.
5 ـ ما الذي تريده القوى الإقليمية والدولية من هذه التحركات؟
يمكن قراءة التطورات الأربعة من خلال ثلاثة ملفات استراتيجية:
أولا: حماية المصالح الاقتصادية والطاقة.
الجزائر تريد حماية استثمارات سوناطراك في النيجر، وتأمين مشاريعها الطاقية وممرات الربط مع نيجيريا. كما أن وجودها المحتمل في ماداما يمنحها موقعا متقدما لمراقبة المسالك الصحراوية القريبة من حدودها الجنوبية.
ثانيا: السيطرة على الممرات الصحراوية.
جنوب ليبيا وشمال النيجر ليسا مجرد مساحات جغرافية واسعة، بل يمثلان ممرا لحركة الجماعات المسلحة وشبكات التهريب وتجارة الوقود والسلاح والهجرة غير النظامية.
ومن يملك قدرة أكبر على مراقبة هذه المسالك يمتلك أوراقا أمنية وسياسية مؤثرة في المنطقة.
ثالثا: إعادة تشكيل الوجود العسكري الفرنسي.
انسحاب القوات الفرنسية من مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد أحدث فراغا في منظومة النفوذ العسكري التقليدية لباريس. والعودة المحدودة إلى تشاد تكشف رغبة فرنسية في الاحتفاظ بقنوات التعاون العسكري والاستخباراتي، حتى من دون العودة إلى نموذج القواعد والانتشار السابق.
6 ـ أين تقف تونس من هذه التحولات؟
تونس ليست طرفا مباشرا في هذه التحركات، لكنها تقع في محيط جغرافي يجعلها معنية بنتائجها.
هناك ثلاثة ملفات تستحق المتابعة التونسية:
- الحدود الليبية: أي اضطراب في الجنوب الليبي قد يؤثر في الوضع الأمني على امتداد الحدود الليبية التونسية.
- الهجرة والتهريب: إعادة انتشار القوات وتغيير موازين السيطرة على المسالك الصحراوية قد يدفع شبكات التهريب والهجرة إلى البحث عن طرق بديلة.
- التوازن الجزائري الليبي: دخول الجزائر عسكريا إلى النيجر يضيف بعدا جديدا إلى علاقاتها مع الأطراف الليبية، خصوصا إذا تمركزت قواتها قرب الحدود الليبية.
ولا يمكن استبعاد أن تصبح تونس معنية دبلوماسيا وأمنيا بأي ترتيبات جديدة للتعاون بين الجزائر وليبيا والنيجر وتشاد.