وضعت مراكز فكر ومنصات تحليل اقتصادي دولية تونس تحت مجهر الرصد والتقييم، عقب تسريب تفاصيل الوثيقة الاستراتيجية الموقعة حديثاً بين وزارة التنمية والتخطيط التونسية والمنظمات التابعة للأمم المتحدة. الوثيقة التي تحدد ملامح إطار التعاون الوطني الخماسي الشامل للفترة الممتدة بين (2027 و2031)، تحمل في طياتها ما وصفه خبراء دوليون بـ الشروط الهيكلية الصامتة، والتي تمثل حبل النجاة الأخير لملفات حيوية كالطاقة، والأمن المائي، والغذائي في البلاد.
وفي الوقت الذي تسوّق فيه الأوساط الرسمية محلياً للمشروع باعتباره دعماً أممياً غير مشروط لخطط الدولة التونسية في التحديث، كشفت قراءات تحليلية صدرت عن معاهد دراسات دولية في باريس وواشنطن أن تقديم المساعدات والتمويلات الأممية بات مشروطاً بحزمة من الإصلاحات التشريعية الصارمة والعميقة، البعيدة كل البعد عن الخطاب السياسي الموجه للاستهلاك الداخلي.
حصار الحوكمة والخصخصة المبطنة
وفقاً للتقارير الدولية الصادرة اليوم، فإن المساعدات الأممية المخصصة لتحديث الإدارة ومجابهة الشح المائي والغذائي، رُبطت بشكل مباشر بمدى التزام الحكومة التونسية بـ المرونة التشريعية، وإعادة صياغة القوانين المنظمة للأنشطة الاقتصادية. غير أن البند الأكثر حساسية، والذي تجنبت الصحافة المحلية الخوض في تفاصيله، يتصل بـ حوكمة الشركات العمومية بالكامل.
ويرى محللون اقتصاديون في المعهد الأوروبي للعلاقات الدولية أن إصرار الشركاء الدوليين على إدراج بند حوكمة وإعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة، يمثل إقراراً مبطناً بضرورة الذهاب نحو خصخصة جزئية أو شبه خصخصة للمؤسسات العمومية التونسية الكبرى. وتهدف هذه الخطوة، بحسب القراءات الخارجية، إلى تخفيف عبء الديون المتراكمة التي أثقلت كاهل الموازنة العامة طيلة السنوات الماضية، وتحويل تلك الشركات من قطاعات مستنزفة للمال العام إلى كيانات مرنة قادرة على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر.
الأمن المائي والغذائي: السلاح الأخير للضغط
الوثيقة المسربة تظهر بوضوح أن ملفات الأمن المائي والغذائي التونسي لم تعد مجرد قضايا تنموية، بل تحولت إلى أدوات ضغط هيكلية. إذ تشير منصات التحليل الدولي إلى أن الأمم المتحدة وصناديق التمويل الدائرة في فلكها لن تمنح تونس ضوءاً أخضر للاستفادة من برامج الدعم المستدام ما لم تثبت الدولة قدرتها على التخلي عن البيروقراطية الإدارية وتطوير آليات الشراكة بين القطاعين العام والخاص في إدارة الموارد الحيوية.
ويضع هذا التقييم الدولي صانع القرار في تونس أمام معادلة شديدة التعقيد: فإما المضي قدماً في الاستجابة لتلك الشروط الهيكلية الصارمة لضمان تدفق الدعم الدولي، وإما التمسك بالخطاب السيادي التقليدي الذي قد يحرم البلاد من تمويلات حيوية في مرحلة دقيقة من تاريخها الاقتصادي.
