تكشف الأرقام الواردة في التقرير السنوي للطاقة لسنة 2025، الصادر عن الجمعية التونسية للبترول والغاز في أوت 2026، عن مفارقة متزايدة في قطاع الغاز الطبيعي بتونس: الإنتاج المحلي يتراجع، والواردات من الجزائر ترتفع، فيما يزداد اعتماد محطات الكهرباء على الغاز لتلبية الطلب الوطني.
وبحسب التقرير، انخفض إنتاج تونس من الغاز الطبيعي إلى نحو 1.259 مليون طن مكافئ نفط سنة 2025، بتراجع نسبته 6.5% مقارنة بالسنة السابقة. ولم يكن هذا الانخفاض معزولاً، إذ سجلت أغلب الحقول الغازية تراجعاً في الإنتاج، من بينها حقل «مسكار» بنسبة 7%، وحقل «حسدرُبال» بنسبة 9%، وحقل «نوارة» بنسبة 18%.
وتأتي هذه التطورات في وقت ارتفعت فيه واردات الغاز الجزائري من 2.544 مليون طن مكافئ نفط سنة 2024 إلى 3.137 ملايين طن سنة 2025، أي بزيادة تناهز 23.3%، وفق البيانات التفصيلية الواردة في التقرير.
ثلاثة حقول رئيسية تحت ضغط تراجع الإنتاج
تسلط الأرقام الضوء على التراجع المسجل في عدد من الحقول الغازية التي تمثل جزءاً من منظومة الإنتاج المحلي.
فقد انخفض إنتاج حقل «مسكار» بنسبة 7%، وتراجع إنتاج «هسدرُبال» بنسبة 9%، بينما سجل حقل «نوارة» الانخفاض الأكبر بين الحقول الثلاثة، بنسبة 18% خلال سنة 2025.
ويطرح هذا التراجع تحدياً إضافياً أمام منظومة الغاز التونسية، إذ إن انخفاض إنتاج الحقول القائمة يزيد الحاجة إلى تعويض الكميات الناقصة من مصادر أخرى، سواء عبر تطوير الإنتاج المحلي أو من خلال التوريد.
ولا يحدد المقتطف المتاح من التقرير حجم الاحتياطيات المتبقية في هذه الحقول، لذلك لا يمكن اعتبار انخفاض الإنتاج وحده دليلاً على نفادها، لكنه يعكس بوضوح تراجع الكميات المنتجة خلال السنة المعنية.
الغاز الجزائري يقترب من 58% من الإمدادات
في مقابل تراجع الإنتاج المحلي، ارتفعت واردات الغاز الجزائري إلى أكثر من 3.1 ملايين طن مكافئ نفط سنة 2025، مقابل نحو 2.54 مليون طن سنة 2024.
ووفق جدول توزيع مصادر الإمدادات الوارد في التقرير، مثل الغاز المستورد نحو 57.8% من إجمالي الكميات المتاحة، مقابل 23.2% للإنتاج الوطني و19.2% للغاز المتأتي من الإتاوة العينية.
وتعكس هذه النسب حجم الدور الذي باتت تؤديه الواردات في تأمين حاجيات تونس من الغاز الطبيعي، خصوصاً مع تزايد الطلب على الوقود المستخدم في إنتاج الكهرباء.
كما أشار التقرير إلى إبرام الشركة التونسية للكهرباء والغاز عقد شراء جديد للغاز من شركة «سوناطراك» الجزائرية، يتعلق بالغاز القادم من منطقة البرمة.
وفي المقابل، تراجعت الكميات المسحوبة في إطار الإتاوة العينية إلى نحو 1.068 مليون طن مكافئ نفط، بانخفاض قدره 5% مقارنة بسنة 2024.
محطات الكهرباء تستهلك 72% من الغاز المتاح
لم يقتصر الضغط على جانب الإمدادات، بل تزامن مع ارتفاع الاستهلاك الوطني من الغاز الطبيعي إلى 5.442 ملايين طن مكافئ نفط سنة 2025، مقابل 5 ملايين طن سنة 2024، أي بزيادة قدرها 9%.
ويعود جانب مهم من هذه الزيادة إلى محطات إنتاج الكهرباء، التي ارتفع استهلاكها من الغاز من 3.52 ملايين طن مكافئ نفط سنة 2024 إلى 3.935 ملايين طن سنة 2025.
ووفق التقرير، اشتغلت محطات الكهرباء بنسبة 98% على الغاز الطبيعي خلال سنة 2025، في حين مثلت الكميات الموجهة إلى إنتاج الكهرباء نحو 72.5% من إجمالي توزيع الغاز، بحسب جدول الإمدادات والاستهلاك.
أما الاستهلاك خارج إنتاج الكهرباء، فقد ارتفع بصورة محدودة من 1.48 مليون طن مكافئ نفط سنة 2024 إلى 1.498 مليون طن سنة 2025، بزيادة نسبتها 1.2%.
وتوضح هذه الأرقام أن التوسع في الطلب على الغاز يرتبط أساساً بقطاع الكهرباء، ما يجعل توفر هذه المادة عاملاً حاسماً في ضمان استمرارية الإنتاج الكهربائي وتلبية حاجيات السوق المحلية.
فاتورة الغاز تنخفض رغم زيادة الواردات
على الرغم من ارتفاع واردات الغاز الجزائري وتراجع الإنتاج المحلي، انخفضت الفاتورة الإجمالية للغاز، المحلي والمستورد، بنسبة 3% خلال سنة 2025، لتبلغ 6.883 مليارات دينار، مقابل 7.109 مليارات دينار سنة 2024.
ويعني ذلك أن زيادة الكميات المستوردة لم تؤدِّ، وفق الحصيلة الإجمالية الواردة في التقرير، إلى ارتفاع قيمة فاتورة الغاز السنوية، إذ تراجعت قيمتها بنحو 226 مليون دينار.
لكن هذا الانخفاض المالي لا يغير حقيقة ارتفاع الاعتماد على الغاز المستورد، ولا يلغي التحديات المرتبطة بتراجع الإنتاج المحلي وارتفاع الاستهلاك.
57 يوماً من توقف إمدادات الحقول
ومن بين المعطيات اللافتة التي أوردها التقرير، تسجيل 57 يوماً من توقف تسليم الغاز من امتيازات الاستغلال خلال سنة 2025، بين توقفات مبرمجة وأخرى غير مبرمجة.
وتوزعت فترات التوقف على 33 يوماً في حقل «مسكار»، وستة أيام في «حسدرُبال»، و14 يوماً في «نوارة»، وأربعة أيام في امتيازات أخرى.
كما أشار التقرير إلى توقف محطات ضغط أنبوب الغاز العابر للمتوسط لمدة 24 يوماً إضافية.
وتكشف هذه المعطيات عن أهمية استمرارية الإنتاج والنقل في ضمان الإمدادات، خصوصاً في ظل اعتماد محطات الكهرباء بصورة شبه كاملة على الغاز الطبيعي.
شبكة الغاز تتوسع إلى مناطق جديدة
رغم الصعوبات المسجلة على مستوى الإنتاج، تواصل توسيع شبكة توزيع الغاز الطبيعي خلال سنة 2025، إذ ارتفع طول شبكة النقل والتوزيع إلى 21,959 كيلومتراً، مقابل 21,624 كيلومتراً سنة 2024، وفق البيانات الواردة في التقرير.
كما تم ربط 27 مؤسسة صناعية جديدة بالغاز، ووضع أنبوب غاز بطول 55 كيلومتراً على ذمة الاستغلال لتغذية مدينة تطاوين، إلى جانب إنجاز 333 كيلومتراً من شبكات التوزيع.
وشملت عمليات التزويد بالغاز خلال السنة نفسها مناطق مجاورة لباجة، ومجاز الباب، وتطاوين، وقلعة الأندلس، ومنزل جميل.
وبلغ عدد المشتركين في شبكة الغاز 1,092,883 مشتركاً في نهاية سنة 2025، بزيادة قدرها 2% مقارنة بالسنة السابقة.
ويعكس توسع الشبكة استمرار ارتفاع الطلب على الغاز، لكنه يطرح في الوقت ذاته تحدياً يتعلق بضرورة ضمان مصادر إمداد كافية ومستقرة لتلبية الحاجيات الجديدة.
معادلة الغاز التونسي: إنتاج أقل وطلب أكبر
تقدم حصيلة سنة 2025 صورة واضحة عن التحدي الذي يواجه قطاع الغاز في تونس: تراجع الإنتاج الوطني بنسبة 6.5%، وانخفاض إنتاج عدد من الحقول الرئيسية، مقابل زيادة واردات الغاز الجزائري بنحو 23% وارتفاع الاستهلاك الوطني بنسبة 9%.
وفي ظل استحواذ إنتاج الكهرباء على الحصة الأكبر من الغاز الموزع، يصبح أي تراجع في الإمدادات المحلية أو اضطراب في النقل عاملاً مؤثراً في توازن المنظومة الطاقية.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن معالجة التحدي لا تقتصر على زيادة الواردات، بل تشمل أيضاً المحافظة على الحقول المنتجة، وتطوير الموارد المحلية القابلة للاستغلال، وتحسين كفاءة استهلاك الغاز، وتنويع مصادر إنتاج الكهرباء بما يحد من الضغط المتزايد على هذه المادة.
المصدر: التقرير السنوي للطاقة لسنة 2025، الجمعية التونسية للبترول والغاز، أوت 2026.
