في الوقت الذي تنتظر فيه الصناعة التونسية أجوبة عن أزماتها المتراكمة، من كلفة الطاقة إلى تراجع القدرة التنافسية وصعوبات الاستثمار والتشغيل، اختار النائب عبد الستار الزارعي أن يطرح خلال جلسة الاستماع إلى وزير الصناعة، في إطار مناقشة مهمة الوزارة ضمن ميزانية سنة 2027، قضية أخرى تماما: تعدد الزوجات، داعيا رئيس الجمهورية إلى تنظيم استفتاء شعبي حول تعديل مجلة الأحوال الشخصية.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما إذا كان للنائب الحق في التعبير عن موقفه من هذه المسألة، بل لماذا اختار جلسة يفترض أن تكون مخصصة لمشاكل الصناعة التونسية ليجعل منها مناسبة لطرح قضية لا تدخل في صميم اختصاص الوزارة التي يمثلها الوزير الحاضر أمام النواب.
فوزير الصناعة لم يأت إلى البرلمان لمناقشة مجلة الأحوال الشخصية، ولا لتحديد خيارات التونسيين في مسائل الأحوال الأسرية، وإنما لتقديم حصيلة قطاع حيوي ومناقشة برامجه وميزانيته والصعوبات التي تعترضه. ومن حق الرأي العام أن ينتظر من النواب أسئلة تتناسب مع طبيعة الجلسة، وأن يحاسبهم على مدى قدرتهم على الدفاع عن مصالح القطاعات التي يناقشون ملفاتها.
مصانع تبحث عن حلول.. والطاقة تتحول إلى عبء
علينا أن نفهم قبل ذلك أن الصناعة ليست مجرد أرقام في وثائق الميزانية، بل هي مؤسسات تعمل في ظروف اقتصادية صعبة، وعمال ينتظرون أجورهم، ومستثمرون يحتاجون إلى رؤية واضحة، ومؤسسات صغرى ومتوسطة تحاول المحافظة على نشاطها في سوق تتزايد فيها الضغوط.
الملف الطاقي، مثلا، لا يمكن التعامل معه باعتباره تفصيلا ثانويا. فتوفر الكهرباء والغاز بكلفة مقبولة واستقرار التزود بالطاقة عوامل مؤثرة مباشرة في قدرة المؤسسات الصناعية على الإنتاج والمنافسة. وكل اضطراب أو ارتفاع في الكلفة ينعكس على حسابات المؤسسات، وقدرتها على التوسع والمحافظة على مواطن الشغل.
وتواجه تونس، في هذا المجال، تحديات لا تحتاج إلى كثير من الشرح: تراجع الإنتاج الوطني من المحروقات، والاعتماد على الواردات لتغطية جزء مهم من الحاجيات، وضغوط العجز الطاقي، والحاجة إلى تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة وتحسين النجاعة الطاقية.
هذه ليست قضايا تقنية معزولة عن حياة المواطنين. إنها ترتبط بكلفة الإنتاج والأسعار وفرص العمل والقدرة على جذب الاستثمارات. وهي تحديات تستوجب من النواب مساءلة الوزير عن البرامج والإجراءات والآجال والنتائج المنتظرة، لا الاكتفاء بمداخلات تنتهي بمجرد مغادرة قاعة الجلسة.
ماذا عن المؤسسات التي تنتظر قرارات فعلية؟
هناك أيضا أسئلة كثيرة كان يمكن أن يطرحها النائب على وزير الصناعة: ما الذي ستفعله الوزارة لدعم المؤسسات الصناعية التي تواجه صعوبات؟ كيف ستعمل على تحسين مناخ الاستثمار وتقليص العراقيل الإدارية؟ وما البرامج المقررة لتطوير الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، وتعزيز الصادرات، وربط التكوين المهني بحاجيات المؤسسات؟
وماذا عن المناطق الصناعية التي تحتاج إلى تهيئة أفضل وخدمات أكثر نجاعة؟ وعن المؤسسات التي تبحث عن تمويل لتحديث معداتها وتحسين إنتاجيتها؟ وعن فرص العمل التي يفترض أن يخلقها الاستثمار الصناعي في وقت أصبحت فيه مسألة التشغيل من أبرز انتظارات التونسيين؟
هذه الأسئلة، وغيرها، تدخل في صميم وظيفة الرقابة البرلمانية. وهي لا تتطلب من النائب أن يكون خبيرا في كل تفاصيل الصناعة، وإنما أن يعرف كيف يضع الوزير أمام مسؤولياته، وأن يحول مشاغل المواطنين والمؤسسات إلى أسئلة واضحة تستوجب إجابات قابلة للتقييم.
تعدد الزوجات.. ملف قديم في مواجهة أزمات الحاضر
أما الدعوة إلى استفتاء حول تعدد الزوجات، فهي تعيد إلى الواجهة مسألة قانونية واجتماعية حسمها التشريع التونسي منذ عقود.
فمنذ صدور مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956، نص الفصل 18 منها على منع تعدد الزوجات، وأقر عقوبات مرتبطة بمخالفة هذا المنع. وبذلك فإن الأمر لا يتعلق بفراغ تشريعي ينتظر تدخلا عاجلا من البرلمان، بل بخيار قانوني راسخ في المنظومة التشريعية التونسية منذ نحو سبعين عاما.
ومن حق عبد الستار الزارعي، مثل غيره من النواب والمواطنين، أن يعبر عن موقفه من هذا التشريع وأن يدعو إلى تغييره بالوسائل القانونية المتاحة. لكن حرية طرح الأفكار لا تعفي النائب من مسؤولية ترتيب الأولويات، ولا تجعل كل مناسبة برلمانية صالحة لفتح كل ملف، مهما كانت طبيعة الموضوع المدرج على جدول الأعمال.
فحين يكون الوزير الحاضر مسؤولا عن الصناعة، فإن المطلوب منه أن يجيب عن مشاكل الصناعة. أما إحالة مقترحات تتعلق بالأحوال الشخصية إلى رئيس الجمهورية، فلا تعوض مساءلته عن كلفة الطاقة أو الاستثمار أو التشغيل، ولا تقدم حلا لمؤسسة تواجه صعوبات مالية أو لمصنع يبحث عن شروط أفضل للإنتاج.
الديمقراطية ليست مجرد استفتاء
وقد برر النائب دعوته بالقول إنه يتحرك في إطار الحرية والديمقراطية، وإن الشعب هو من سيقرر نتيجة الاستفتاء. غير أن الديمقراطية لا تختزل في الدعوة إلى الاستفتاءات، بل تقوم أيضا على مساءلة المسؤولين، ومراقبة الإنفاق العمومي، وتحديد الأولويات، والدفاع عن مصالح المواطنين في مختلف المجالات.
كما أن الدعوة إلى استفتاء لا تعفي صاحبها من توضيح المسار القانوني والدستوري المقترح، والغاية العملية منه، والأسباب التي تجعل إعادة فتح ملف قديم أولوية في الظرف الراهن.
والأهم من كل هذا أن البرلمان لا يعاني نقصا في الملفات التي تستحق النقاش. فهناك تحديات اقتصادية واجتماعية وطاقية تتطلب من النواب وقتا وجهدا ومتابعة، وتحتاج إلى مساءلة جدية للوزراء حول ما تحقق وما لم يتحقق، وما إذا كانت الأموال المرصودة في الميزانية ستترجم إلى نتائج ملموسة.
إن التونسي الذي ينتظر فرصة عمل، وصاحب المؤسسة الذي يحاول المحافظة على نشاطه، والعامل الذي يخشى على موطن رزقه، لا يحتاجون إلى خطابات عامة بقدر حاجتهم إلى سياسات واضحة وقرارات قابلة للتنفيذ.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يستحق أن يوجه إلى النائب عبد الستار الزارعي ليس لماذا دافع عن رأيه في تعدد الزوجات، بل ماذا فعل، في الجلسة المخصصة للصناعة، من أجل الصناعة التونسية؟ وما الأسئلة التي طرحها حول أزمة الطاقة وكلفة الإنتاج والاستثمار والتشغيل؟ وأي إجابات انتزعها من الوزير لفائدة قطاع ينتظر حلولا لا شعارات؟
فالاختلاف في المواقف حق، لكن المسؤولية البرلمانية تقتضي معرفة متى وأين وكيف تُطرح القضايا. أما أن تتحول جلسة مخصصة لقطاع اقتصادي حيوي إلى منصة لمناقشة ملف آخر، فذلك يفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل يستعمل بعض النواب أدوات الرقابة البرلمانية لمتابعة أولويات البلاد، أم يكتفون باستثمار المنابر المتاحة لطرح القضايا التي يريدونها، بصرف النظر عن جدول الأعمال وحاجيات التونسيين؟
في بلد يبحث عن كل فرصة لتحريك الاستثمار وإنقاذ المؤسسات وخلق فرص العمل، لا ينبغي أن تكون الصناعة مجرد عنوان في جدول أعمال البرلمان، ولا أن تتحول جلسات الميزانية إلى مناسبات تضيع فيها الأسئلة الأساسية وسط معارك جانبية.
فالمصانع لا تنتظر استفتاء حول تعدد الزوجات، وإنما تنتظر طاقة متوفرة، واستثمارا منتجا، وإجراءات ناجعة، وبرلمانا يسأل عن النتائج.
