الرئيسيةآخر الأخبارحتى الشمس أصبحت مكلفة في تونس.. من يعرقل تخفيض أسعار تجهيزات الطاقة...

حتى الشمس أصبحت مكلفة في تونس.. من يعرقل تخفيض أسعار تجهيزات الطاقة الشمسية؟

لم تكن أزمة الكهرباء التي عاشتها تونس خلال صائفة 2026 مجرد أرقام سجلتها مؤشرات استهلاك الطاقة، بل كانت اختبارا حقيقيا لقدرة المنظومة الكهربائية على الاستجابة للطلب المتزايد، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتنامي الاستهلاك المنزلي والصناعي. فقد شهدت البلاد ضغوطا كبيرة على الشبكة الكهربائية، رافقتها انقطاعات في عدد من المناطق، ووصل الطلب على الكهرباء في ذروته إلى حدود 6000 ميغاواط.

كان يفترض أن تدفع هذه التجربة إلى مراجعة جذرية للسياسة الطاقية، وتسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة، وتسهيل اقتناء التجهيزات التي تسمح للمنازل والمؤسسات بإنتاج جزء من حاجياتها من الكهرباء وتخزين الفائض منها. لكن ما يجري داخل لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب يطرح تساؤلات حول مدى الانسجام بين هذه الأولويات والخيارات التشريعية المطروحة.

فبعدما أسقط النواب خلال مناقشة قانون المالية لسنة 2026 مقترحا حكوميا لتخفيض المعاليم الديوانية على اللاقطات الشمسية، تعود المسألة إلى الواجهة في مشروع قانون المالية لسنة 2027، وسط توجه لدى عدد من أعضاء اللجنة لرفض إجراءات جديدة اقترحتها الحكومة لتخفيف كلفة الاستثمار في الطاقة الشمسية.

هذه المرة، لا يتعلق الأمر بمجرد تعديل ضريبي محدود، بل بحزمة من الإجراءات التي يفترض أن تجعل تجهيزات الطاقة الشمسية أقل كلفة وأكثر قدرة على المنافسة.

فالفصل 49 من مشروع قانون المالية لسنة 2027 يقترح إعفاء البطاريات المخصصة لتخزين الكهرباء من المعاليم الديوانية والأداء على القيمة المضافة والمعلوم المهني الموظف لفائدة صندوق تنمية القدرة التنافسية. أما الفصل 50 فينص على خفض المعاليم الديوانية على توريد اللاقطات الشمسية من 30 بالمائة إلى 10 بالمائة.

وبذلك تجد الحكومة نفسها مرة أخرى أمام صعوبة تمرير تخفيضات ضريبية تعتبرها ضرورية لتشجيع الاستثمار في هذا القطاع، في حين يتمسك نواب بضرورة حماية الصناعة المحلية والحد من توريد هذه التجهيزات.

أزمة الصيف كشفت حجم المشكلة

ما يجعل هذا النقاش أكثر أهمية هو السياق الذي يأتي فيه. فتونس لم تعد تتعامل مع ملف الطاقة الشمسية باعتباره خيارا بيئيا أو مشروعا مستقبليا، وإنما باعتباره أحد الحلول الممكنة للتخفيف من الضغط المتزايد على منظومة إنتاج الكهرباء.

وخلال جلسة الاستماع المتعلقة بميزانية وزارة الصناعة والمناجم والطاقة لسنة 2027، تحدث الوزير صلاح الزواري عن هدف تقليص الطلب على الكهرباء من نحو 6000 ميغاواط إلى 5700 ميغاواط، أي توفير 300 ميغاواط، من خلال ترشيد الاستهلاك وتغيير بعض العادات، إلى جانب تشجيع المؤسسات الصناعية على تحويل جزء من نشاطها إلى الفترة الليلية.

كما كشف عن توجه نحو إدماج 300 ميغاواط إضافية من الطاقات المتجددة، وتركيز منظومة لتخزين الكهرباء بالبطاريات بقدرة 300 ميغاواط.

وهنا تبرز أهمية البطاريات واللاقطات الشمسية معا. فإنتاج الكهرباء خلال ساعات سطوع الشمس لا يكفي وحده لمعالجة اختلالات التزود، ما لم تتوفر إمكانيات تخزين تسمح باستعمال الطاقة المنتجة في أوقات أخرى، وخاصة خلال فترات الذروة.

من قرار 2024 إلى مواجهة 2027

لفهم خلفيات الجدل الحالي، لا بد من العودة إلى القرار الذي اتخذه البرلمان سنة 2024، عندما أقر بمقتضى الفصل 40 من قانون المالية الترفيع في المعاليم الديوانية على توريد اللاقطات الشمسية من 10 إلى 30 بالمائة، على أن يدخل القرار حيز التنفيذ بداية من جانفي 2025.

وعندما قدمت الحكومة مقترحا في قانون المالية لسنة 2026 لخفض هذه النسبة من 30 إلى 15 بالمائة، لم يتمكن الفصل 47 من تجاوز النقاش البرلماني، وانتهى الأمر بإسقاطه رغم تمسك وزيرة المالية بالمقترح.

واليوم يتكرر المشهد، مع فارق أن الحكومة تقترح العودة إلى نسبة 10 بالمائة، إلى جانب إعفاء البطاريات من مجموعة من الأداءات والمعاليم.

وبين المحاولتين، لم يتحقق التقدم المنتظر في الانتقال الطاقي. فالمعطيات المتداولة بشأن القطاع تتحدث عن نحو 600 ميغاواط من القدرات المنجزة، منها قرابة 200 ميغاواط فوق أسطح المنازل و110 ميغاواط في القطاع الصناعي، مقابل مشاريع أخرى لا تزال تواجه التعطيل.

كما يطرح ملف اللزمات صعوبات إضافية، إذ تشير الأرقام المتداولة إلى وجود نحو 1200 ميغاواط من المشاريع المتعثرة، من بينها 300 ميغاواط مهددة بعدم الإنجاز بسبب تعطل الإجراءات الإدارية وتلويح مستثمرين بعدم مواصلة مشاريعهم.

حماية الصناعة المحلية أم تحميل المستهلك كلفة إضافية؟

في المقابل، يستند الرافضون للتخفيضات المقترحة إلى حجة حماية المنتوج الوطني، باعتبار أن تخفيف الرسوم على التجهيزات الموردة قد يضعف المؤسسات التونسية الناشطة في تصنيع اللاقطات الشمسية والبطاريات.

وهو موقف يستحق النقاش، لكن حماية الصناعة المحلية لا يمكن أن تكون هدفا معزولا عن بقية عناصر المعادلة، ولا أن تتحول إلى سبب لإبقاء كلفة التجهيزات مرتفعة على المواطنين والمؤسسات الصناعية.

فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما حجم مساهمة الصناعة التونسية فعليا في تلبية حاجيات السوق؟ وهل تمتلك القدرة على توفير الكميات والمواصفات المطلوبة لمواكبة التوسع المنتظر في مشاريع الطاقة الشمسية؟ وهل توجد دراسات تثبت أن الإبقاء على المعاليم الحالية سيؤدي إلى تطوير الإنتاج المحلي، أم أن النتيجة ستكون أساسا زيادة كلفة الاستثمار وتأخير انتشار هذه التكنولوجيا؟

كما أن النقاش لا ينبغي أن يقتصر على اللاقطات الشمسية، لأن تخزين الكهرباء أصبح جزءا أساسيا من معادلة الانتقال الطاقي. وبالتالي فإن الإبقاء على كلفة البطاريات مرتفعة قد يحد بدوره من جدوى الاستثمار في إنتاج الكهرباء من الشمس.

لقد كشفت صائفة 2026 أن أمن الطاقة في تونس لم يعد يحتمل تأجيل القرارات أو التعامل مع الطاقات المتجددة باعتبارها ملفا ثانويا. ومن هذا المنطلق، فإن النقاش حول الفصلين 49 و50 من مشروع قانون المالية لسنة 2027 يتجاوز مسألة التخفيض في المعاليم الديوانية، ليصل إلى سؤال أوسع يتعلق بكيفية استعداد البلاد لمواجهة السنوات القادمة وحماية مواطنيها ومؤسساتها من تكرار أزمات التزود بالكهرباء.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى