أعادت الذكرى التاسعة والثلاثون لتحول 7 نوفمبر 1987 الجدل حول فترة حكم الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، بعد تدوينة نشرها وزير الداخلية الأسبق عبد الله القلال، استحضرت المناسبة، وأثارت تفاعلاً واسعاً بين التونسيين على مواقع التواصل الاجتماعي، بين من استعاد تلك المرحلة بحنين وإشادة، ومن اعتبرها مناسبة لا يمكن فصلها عن سنوات الاستبداد والانتهاكات.

وتباينت التعليقات على تدوينة القلال بشكل لافت، إذ رأى عدد من المتفاعلين أن 7 نوفمبر كان يوماً تاريخياً أنقذ البلاد من المجهول، مستحضرين ما وصفوه بسنوات الاستقرار والأمن والديناميكية الاقتصادية، كما ترحم كثيرون على بن علي، واعتبروا أن تونس عرفت خلال تلك الفترة ظروفاً أفضل مما تعيشه اليوم.
ومن بين أبرز التعليقات ما كتبه وزير العدل الأسبق بشير التكاري، الذي خاطب القلال بالقول إن التدوينة تذكره «برئيس وطني، وديناميكية اقتصادية، وإحساس عميق بالعدالة الاجتماعية»، مضيفاً أنها تذكره بمسؤولين كانوا يعملون ليلاً ونهاراً، وخصّ بالذكر عبد الله القلال وآخرين.
فيما اعتبر فتيحي الهويدي وزير الاعلام السابق أن 7 نوفمبر كان يوماً تاريخياً بكل المقاييس ومنطلقاً لتونس أفضل، مستحضراً ما وصفه بالقفزة النوعية التي عرفتها البلاد، رغم ما اعتبرها تعثرات في السنوات الأخيرة من حكم بن علي.
لكن التعليقات لم تخلُ من مواقف معاكسة، إذ وصف منصور الصياح تلك المرحلة بأنها «زمن الصفقات المشبوهة والخيانة»، في حين كتبت عواطف شريع التميمي تعليقاً أكثر حدة، أشارت فيه إلى ما وصفته بعمليات قتل كانت تجري بصمت في أقبية السجون، في إشارة إلى الانتهاكات التي ارتبطت بتلك الفترة.
وتكشف هذه المواقف، الصادرة عن شخصيات سياسية ومسؤولين سابقين ومواطنين، أن ذكرى 7 نوفمبر لا تزال تثير انقساماً واضحاً في قراءة تاريخ تونس الحديث، بين من يستحضر الاستقرار والحركية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، ومن يذكّر بالانتهاكات والقمع السياسي الذي طبع جانباً من تلك المرحلة.
في المقابل، عبّر آخرون عن رفضهم لهذه القراءة، وذكّروا بالانتهاكات التي شهدتها فترة حكم بن علي، وكتب أحد المعلقين واصفاً المناسبة بأنها «سبت أسود»، فيما أشار تعليق آخر إلى ما اعتبره الوجه المظلم لتلك المرحلة، والمتصل بالانتهاكات داخل السجون.
وفي خضم هذا التفاعل، نشر الصحفي فطين حفصية تدوينة تناول فيها جانباً آخر من الأيام الأولى التي أعقبت تغيير 7 نوفمبر 1987، مستعيداً روايات قال إنه سمعها من مصور تلفزيوني ومسؤول إداري سابق.
وأشار حفصية إلى أن حكومة الهادي البكوش منحت يوم الاثنين 9 نوفمبر 1987 ترخيصاً استثنائياً للموظفين العموميين لمغادرة مقرات عملهم بعد الظهر والتوجه إلى الساحات للتعبير عن تأييدهم للتغيير السياسي الجديد، بالتزامن مع استعداد الحكومة لإجراء مشاورات مع أطراف من المعارضة، من بينها حركة الديمقراطيين الاشتراكيين والحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي التقدمي.
ونقل الصحفي عن مصور تلفزيوني رواية مفادها أن عدداً من المشاركين في تلك التجمعات سبق أن شاهدهم في مظاهرات مؤيدة للحبيب بورقيبة قبل أسابيع من الإطاحة به، وكانوا يهتفون آنذاك بحياته، قبل أن يتحولوا بسرعة إلى تأييد السلطة الجديدة.
كما استحضر حفصية رواية معتمد سابق في العهد البورقيبي ووالٍ في عهد بن علي، تحدث فيها عن واقعة حصلت بعد أكثر من عام ونصف من التغيير، عندما هتف أحد الحاضرين في اجتماع حزبي بحياة بورقيبة، ليتدخل بقية المشاركين ويصححوا الهتاف إلى «يحيا بن علي».
وخلص حفصية إلى أن هذه الوقائع، وفق قراءته، تكشف ما سماه «الولاء الميكانيكي المتحول» والانتهازية السياسية، معتبراً أن ظاهرة تغيير الولاءات بتغير موازين السلطة لم تنته مع مرور العقود.
وتأتي هذه السجالات في وقت لا تزال فيه ذكرى 7 نوفمبر تثير قراءات متناقضة في تونس، بين من يستحضرها باعتبارها محطة أنهت حكم بورقيبة وفتحت مرحلة جديدة، ومن يربطها ببداية نظام استمر أكثر من 23 عاماً وانتهى بسقوط بن علي في 14 جانفي 2011.
وهكذا تحولت الذكرى، بعد 39 عاماً، من مجرد استعادة لمحطة تاريخية إلى نقاش جديد حول الذاكرة السياسية، وحدود الحنين إلى الماضي، ومدى قدرة التونسيين على الفصل بين ما يعتبرونه إنجازات لتلك المرحلة وما ارتبط بها من انتهاكات وتضييق على الحريات.