الرئيسيةآخر الأخبارالعلاقات التونسية الروسية بين وعود القمم وضغوط الواقع: شراكة استراتيجية أم مناورات...

العلاقات التونسية الروسية بين وعود القمم وضغوط الواقع: شراكة استراتيجية أم مناورات مصلحية؟

طرح الديناميكية الجديدة في العلاقات بين تونس وموسكو تساؤلات جوهرية حول الآفاق الحقيقية للتعاون الثنائي، ومدى قدرة التفاهمات السياسية على الصمود أمام اختبار الأرقام والواقع الاقتصادي على الأرض، خاصة مع اختتام أشغال القمة الروسية الأفريقية الثالثة التي احتضنتها العاصمة الروسية موسكو مؤخراً.

من سانت بطرسبرغ إلى موسكو: جردة حساب للوعود
شكلت القمة الروسية الأفريقية الثانية المنعقدة في سانت بطرسبرغ في يوليو 2023 محطة إعلان النوايا الكبرى؛ حيث قطعت موسكو حزمة من التعهدات شملت تأمين الإمدادات الحيوية من الحبوب والأسمدة لتونس، وتوسيع الشراكات الطاقية في مجالات النفط والغاز، وتسهيل نفاذ المنتجات التونسية كالتمور وزيت الزيتون للأسواق الروسية، فضلاً عن تعميق التعاون العلمي ودعم حضور أفريقي أكثر عدالة في المحافل الدولية لإرساء نظام متعدد الأقطاب.

وبعد مرور أكثر من ثلاثة أعوات، عاد الملف التونسي الروسي إلى الواجهة بالتزامن مع قمة موسكو في أكتوبر 2026، والتي شهدت مشاركة تونسية رفيعة المستوى قادتها رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، حيث تم التوقيع على خطة العمل المشتركة للفترة 2027-2029 لمأسسة التعاون في قطاعات البنية التحتية والنقل والتعليم العالي.

ملف الأمن الغذائي: أرقام تكشف حذر التوريد التونسي
رغم ترويج الأوساط الدبلوماسية لنجاح صفقات القمح اللين والصلب الروسي في تغطية النقص الهيكلي الناجم عن مواسم الجفاف المتعاقبة بتونس، فإن لغة الأرقام الرسمية الصادرة أواخر عام 2026 تكشف عن قراءة مغايرة تماماً تعكس حذراً تونسياً ملموساً.

وتشير البيانات الإحصائية الأخيرة إلى أن الواردات التونسية الإجمالية من روسيا سجلت تراجعاً حاداً بلغت نسبته 54% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق، لتتوقف في حدود 1552.3 مليون دينار. هذا المؤشر يؤكد بوضوح أن ديوان الحبوب التونسي يرفض بشكل قاطع وضع بيضه في سلة واحدة، محافظاً على سياسة صارمة لتنويع مصادر التوريد عبر الانفتاح على مناقصات دولية تشمل الشركاء الأوروبيين التقليديين كفرنسا وإيطاليا، إلى جانب أسواق أمريكا الجنوبية وأوكرانيا، تفادياً لأي ارتهان اقتصادي أو سياسي مباشر.

أزمة الكهرباء: وعود 2023 تتبخر تحت لهيب الصيف
على جبهة الطاقة، كان صيف عام 2026 المحك والامتحان الحقيقي للوعود الروسية المقطوعة منذ عام 2023. فقد شهدت تونس أزمة كهرباء خانقة وغير مسبوقة تخللها قطع دوري مبرمج للأحمال وشلل تام طال العديد من القطاعات الحيوية، مسجلاً خسائر اقتصادية مباشرة قُدرت بنحو 1.27 مليار دينار. وفي ذروة هذه المعاناة اليومية للمواطن والمؤسسات التونسية تحت وطأة درجات حرارة قياسية، لم تحرك موسكو ساكناً، وظلت تعهداتها الطاقية حبراً على ورق.

هذا الجمود كشف غياب البعد الإغاثي أو اللوجستي الفوري للشراكة الروسية؛ حيث تتركز عروضها فقط على الاستثمارات طويلة المدى كاستكشاف الآبار أو بناء محطات طاقة نووية سلمية، وهي مشاريع تستغرق سنوات طويلة لتنفيذها ولا يمكنها سد عجز طارئ في شبكة تعتمد بنسبة 90% على الغاز الطبيعي. في المقابل، كانت الجارة الجزائر هي الطرف الوحيد الميداني الذي خفف من حدة الأزمة عبر خطوط الربط الكهربائي المشترك بضخ قدرات تصل إلى 600 ميغاواط.

استفاقة متأخرة أم مصلحة نفعية؟
ولم يشهد ملف الطاقة تحركاً روسياً إلا في نهاية أكتوبر 2026، حيث أعلنت الرئاسة الروسية على لسان نائب رئيس إدارتها مكسيم أورشكين عن استعداد موسكو التام لفتح باب التفاوض مع تونس لتمويل وتنفيذ مشاريع طاقية كبرى، وطرح مقترح التعاون في مجال الطاقة النووية السلمية لإنتاج الكهرباء.

ويرى مراقبون اقتصاديون أن هذه الاستفاقة الروسية المتأخرة بعد أزمة الصيف الخانقة لا تنبع من رغبة تضامنية، بل تمليها وطأة العقوبات الغربية وحظر النفط والغاز الروسي في الأسواق الأوروبية التقليدية، مما يدفع موسكو وبشكل براغماتي نفعي للبحث عن منافذ بديلة وجديدة لتصريف تكنولوجياتها في شمال إفريقيا.

ميزان المصالح وأوراق المناورة
في المحصلة، يجمع الخبراء على أن العلاقات بين البلدين لا تحركها الهدايا الدبلوماسية بل « البراغماتية البحتة ». فروسيا جادة في عروضها بقدر ما تحقق لها من عوائد مالية ونفوذ جيوسياسي في منطقة شمال إفريقيا. وفي المقابل، تتعامل الدبلوماسية التونسية بحذر وهدوء، حيث أكد وزير الشؤون الخارجية محمد علي النفطي على هامش لقاءاته الدبلوماسية بموسكو، انفتاح تونس على مختلف الشراكات شريطة القبول بالاحترام المتبادل والحوار البناء.

وتبدو الخيارات التونسية واضحة في استخدام العروض الروسية المطروحة حالياً كـ « أوراق تفاوضية » حيوية للضغط والمناورة مع الشركاء التقليديين والمؤسسات المالية الدولية، بغية انتزاع شروط تمويلية أفضل لمشاريع الانتقال الطاقي والربط الكهربائي، مع الحفاظ على التوازن الدبلوماسي الحذر دون السقوط في فخ الاستقطاب الدولي المعقد.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى