حذّر الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي من تداعيات تراجع الحريات السياسية والاقتصادية في تونس، معتبراً أن فهم الأزمة التي تعيشها البلاد لا يمكن أن يقتصر على مؤشرات النمو والتضخم والبطالة والعجز التجاري، بل يتطلب أيضاً التوقف عند التحولات السياسية والمؤسساتية وانعكاساتها على الاستثمار والتنمية.
وفي محاضرة قدّمها خلال ندوة نظّمتها جمعية المساءلة الاجتماعية تحت عنوان «الحرية والتنمية»، ربط الشكندالي بين أداء الاقتصاد التونسي وطبيعة المؤسسات التي تحكم النشاط الاقتصادي، ومدى احترام القانون، ووضوح القواعد المنظمة للاستثمار، وحرية المبادرة والمنافسة، وقدرة المجتمع على مساءلة السلطة وتصحيح السياسات غير الناجعة.
واستند الخبير الاقتصادي إلى مؤشرات دولية اعتبر أنها تكشف تزامن الصعوبات الاقتصادية مع تراجع مؤشرات الديمقراطية والحرية الاقتصادية. ووفق مؤشر الديمقراطية الصادر عن وحدة الاستخبارات الاقتصادية التابعة لمجموعة «الإيكونوميست»، حصلت تونس على 4.71 نقاط من عشر خلال سنة 2024، في تقييم يشمل العملية الانتخابية والتعددية، وأداء الحكومة، والمشاركة السياسية، والثقافة السياسية والحريات المدنية.
كما أشار إلى مؤشر الحرية الاقتصادية الصادر عن مؤسسة «هيريتيج»، الذي منح تونس 48.1 نقطة من مائة في تقرير سنة 2026، مقابل 48.8 نقطة سنة 2024، مع تصنيف الاقتصاد التونسي ضمن فئة الاقتصادات المقيدة وفق منهجية المؤسسة. وترتبط هذه النتيجة، بحسب التحليل الذي عرضه، بصعوبات تتعلق بحرية الاستثمار والقطاع المالي، وفعالية الإطار التنظيمي، وسوق العمل، ودور المؤسسات العمومية في بعض الأنشطة والأسعار.
## الديمقراطية وحدها لا تصنع التنمية
ولا يرى الشكندالي أن الانفتاح السياسي يضمن، بمفرده، تحقيق النمو الاقتصادي أو تحسين مستوى عيش المواطنين. فالتجربة التونسية بعد سنة 2011 أظهرت، وفق طرحه، أن توسيع المشاركة السياسية والتعددية لم يكن كافياً لمعالجة اختلالات هيكلية، من بينها ضعف الاستثمار والإنتاجية، وتعثر الإصلاحات، واستمرار البطالة، خاصة في الجهات الأقل حظاً، إلى جانب تدهور المالية العمومية.
غير أن استمرار الاختلالات الاقتصادية بالتزامن مع تراجع الحريات السياسية يطرح، بحسب هذا التحليل، إشكالاً إضافياً، يتمثل في إضعاف الآليات التي تسمح بمراجعة القرارات وتصحيح السياسات العمومية.
وفي هذا السياق، اعتبر أن ضعف المساءلة وعدم استقرار القواعد المنظمة للنشاط الاقتصادي وتزايد العراقيل الإدارية يمكن أن تؤثر سلباً في ثقة المستثمرين وتحدّ من المبادرة الخاصة. كما أن غياب الحوار الفعلي حول الإصلاحات قد يجعل القرارات الاقتصادية أقل استجابة لحاجات المؤسسات والمواطنين، ويصعّب بناء توافق اجتماعي حول الإجراءات الضرورية.
## العدالة الاجتماعية وحرية المبادرة
ويبرز في مقاربة الشكندالي أن مكافحة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية لا يكفيان كشعارين ما لم يقترنا بمؤسسات فعالة وقواعد شفافة وقضاء مستقل وناجع ومنافسة عادلة، إلى جانب مناخ اقتصادي يشجع الاستثمار والإنتاج.
كما أن حماية الفئات الاجتماعية الضعيفة، وفق هذا التصور، لا تتعارض بالضرورة مع حرية المبادرة الاقتصادية، بل يمكن أن تتكامل معها ضمن نموذج تنموي يوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
ويخلص الخبير الاقتصادي إلى أن التحدي الذي تواجهه تونس لا يتعلق فقط باختيار سياسات اقتصادية أفضل، بل أيضاً ببناء مؤسسات قادرة على صياغة تلك السياسات وتنفيذها وتقييم نتائجها ومراجعتها. فالتنمية المستدامة تحتاج إلى دولة فعالة بمؤسساتها، واقتصاد قادر على خلق الثروة وفرص العمل، ومجتمع يستطيع مساءلة السياسات العامة والمشاركة في تحديد الأولويات.
وبذلك، فإن الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي، وفق الخلاصة التي تطرحها المحاضرة، ليسا مسارين متعارضين أو بديلين أحدهما عن الآخر، بل يحتاج كل منهما إلى الآخر لتحقيق نتائج مستدامة. فالانفتاح السياسي من دون إصلاح اقتصادي قد لا يوفر الازدهار المنتظر، فيما قد تعجز الحرية الاقتصادية من دون سيادة القانون والمساءلة عن ضمان توزيع عادل لثمار النمو.
ومن هذا المنطلق، تتجاوز الأزمة التونسية، في قراءة الشكندالي، حدود الصعوبات الظرفية المرتبطة بالأسعار والمالية العمومية، لتطرح سؤالاً أعمق حول قدرة المؤسسات السياسية والاقتصادية على توفير شروط التنمية المستدامة والاستجابة لتطلعات التونسيين.
