في زاوية معتمة من مركز احتجاز المهاجرين في « باري باليزي »، يختزل الشاب التونسي وضاح .غ (29 عاماً) مأساة جيل كامل من المهاجرين الذين سحقتهم البيروقراطية القانونية في إيطاليا. اليوم، لم يعد وضاح مجرد رقم في سجلات الترحيل، بل تحول إلى قضية رأي عام هزت الأوساط الحقوقية والإعلامية الإيطالية، بعد أن أطلقت زوجته المقيمة في إيطاليا صيحة فزع مريرة عبر كبرى الصحف كـ « لا ريبوبليكا »، مستغيثة لإنقاذ حياة شريك عمرها وأب أطفالها من « موت بطيء ».
مخالفة مرورية.. وبداية الكابوس
لم يكن وضاح يظن يوماً أن خطأً مروريا عابراً سيتحول إلى قيد حديدي يسلبه حريته لقرابة العام. الحكاية بدأت في جانفي الماضي، عندما كان وضاح يعيش مستقراً مع عائلته الصغيرة في فيرونا ويستعد لبدء عمله الجديد كـ « نادل » في العاصمة روما لتأمين مستقبل أفضل. أثناء تواجده في مدينة بادوفا، دخل بسيارته بالخطأ منطقة مخصصة للمشاة لعدم درايته بالطرقات، لتستوقفه الدورية وتجده يقود تحت تأثير الكحول.
لكن، بدلاً من تطبيق عقوبة المخالفة المرورية المعتادة، انفتحت في وجه الشاب التونسي أبواب « الجحيم الإداري » بسبب وضعه المتعلق بملف الإقامة. اقتيد فوراً إلى نظام مراكز الاحتجاز التمهيدي للترحيل ، لينقل أولاً إلى مدينة « بوتينتسا » ثم يُرحّل داخلياً إلى مركز « باري »، ليتحول بمرور الوقت إلى « أقدم محتجز » داخل جدرانه.
معركة الأمعاء الخاوية ويأس خلف القضبان
أمام تجديد احتجازه بشكل متكرر بذريعة أنه « يشكل خطراً على المجتمع » ــ وهو ما تنفيه عائلته بشدة ــ وتمديد حبسه الإداري حتى نوفمبر المقبل، لم يجد وضاح سلاحاً يدافع به عن كرامته سوى أمعائه الخاوية. أعلن الشاب إضراباً شاملاً وقاسياً عن الطعام والشراب، رافضاً الحديث مع أي شخص، حتى دخل في حالة صدمة نفسية حادة أدت به إلى محاولة إيذاء نفسه.
تصف زوجته حالته المأساوية بكلمات تقطر وجعاً: « إنه يعيش تحت ضغط نفسي رهيب، لا وجود لطبيب نفسي يتابع حالته داخل المركز، وأصبح يعتمد على المهدئات ليبقى هادئاً، وسط ظروف احتجاز غير إنسانية، ورداءة في الطعام، وقذارة في المرافق ».
عائلة ممزقة وطفل يبكي غياب والده
بينما كان وضاح يخوض معركة الموت البطيء، كانت عائلته في الخارج تعيش فصولاً أخرى من التمزق. صيحة الفزع التي أطلقتها الزوجة لم تكن دفاعاً عن حياة زوجها فقط، بل عن بقاء عائلتها التي باتت بلا معيل. فالزوجة عاطلة عن العمل، وعاجزة عن دفع إيجار المنزل أو توفير لقمة العيش لطفليها (4 سنوات وسنتين ونصف).
وتضيف الزوجة بمرارة لوسائل الإعلام: « ابننا البالغ من العمر أربع سنوات يبكي يومياً في الروضة.. إنه لا يستوعب معنى مركز احتجاز المهاجرين ، كل ما يظنه ويفهمه عقله الصغير هو أن والده هجره وتخلى عنه.. أنا لا أعرف كيف سأستمر في العيش هكذا ».
توقّف الإضراب.. ولكن الحرية معلّقة
تطورات الساعات الأخيرة حملت بصيص أمل طبي بعد أن وافق وضاح، إثر تدهور حاد في مؤشراته الحيوية وضغوط من عائلته وشبكة الناشطين الحقوقيين « لا للمعسكرات بعد اليوم »، على تعليق إضرابه والعودة لتناول الطعام والشراب.
ورغم تعليق الإضراب لإنقاذ حياته، تؤكد الزوجة والمنظمات المناهضة لمراكز الاحتجاز أن المعركة مستمرة، وأن تعليق الإضراب ليس نهاية المطاف، بل هو بداية لمرحلة جديدة من الضغط القانوني والحقوقي لإلغاء قرار الاحتجاز الجائر وإعادة وضاح إلى حضن عائلته التي يهددها الضياع. فهل تصغي السلطات الإيطالية لصرخات هذه العائلة الممزقة، أم ستظل القوانين الصارمة عمياء أمام الإنسانية؟
