كشفت الإدارة العامة للخزانة الفرنسية في مذكرة اقتصادية نشرتها أمس الجمعة 25 سبتمبر 2026 عن مجموعة من المؤشرات الجديدة حول الاقتصاد التونسي، تتعلق بالنمو والحساب الجاري والطاقة والتمويل الخارجي، إلى جانب معطيات اجتماعية ومالية لافتة حول النساء والشباب في سبع ولايات تونسية.
وأفادت الخزانة الفرنسية، نقلاً عن أحدث توقعات البنك الدولي، بأن الاقتصاد التونسي يتجه إلى تسجيل نمو في حدود 2.3 بالمائة خلال سنة 2026، بتراجع قدره 0.2 نقطة مئوية مقارنة بالتوقعات الأولية التي صدرت في نوفمبر 2025.
وعزت المراجعة أساساً إلى تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، في حين يتوقع البنك الدولي أن يبلغ متوسط النمو التونسي 2.1 بالمائة خلال 2027 و2028 في غياب إصلاحات هيكلية.
عجز الحساب الجاري عند 4.1 بالمائة
وتكشف المذكرة في الوقت نفسه عن اتساع الضغوط على التوازنات الخارجية.
فبحسب البنك الدولي، من المتوقع أن يرتفع عجز الحساب الجاري إلى 4.1 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، أي بزيادة قدرها 1.2 نقطة مئوية.
وترتبط هذه الزيادة أساساً بتدهور العجز الطاقي، الذي ارتفع بنسبة 30 بالمائة خلال النصف الأول من سنة 2026.
أما على مستوى المالية العمومية، فيتوقع البنك الدولي أن يبلغ العجز العمومي 6 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنة الحالية، مع إمكانية تعرضه لضغوط إضافية نتيجة ارتفاع كلفة دعم الطاقة.
وتشير الخزانة الفرنسية إلى أن احتياجات تونس التمويلية ستبقى مرتفعة على المدى المتوسط، في وقت تواجه فيه البلاد تقلصاً في موارد الاقتراض الخارجي، ما يجعل تمويل العجز أحد أبرز التحديات أمام الاقتصاد التونسي.
رقم لافت من سبع ولايات: 41 بالمائة فقط من النساء لديهن حساب مالي رسمي
لكن المذكرة الفرنسية تحمل أيضاً رقماً اجتماعياً ومالياً أكثر دلالة، مستنداً إلى دراسة أعدها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومرصد الإدماج المالي حول النساء والشباب في سبع ولايات هي:
القيروان، قفصة، توزر، قبلي، تطاوين، مدنين وقابس.
وتظهر الدراسة أن 41 بالمائة فقط من النساء في هذه الولايات كن يمتلكن سنة 2024 حساب إيداع لدى مؤسسة مالية رسمية.
وتربط الدراسة ضعف الإدماج المالي بعدة عوامل، من بينها محدودية الموارد المالية، وضعف الثقة في المؤسسات المالية، والخوف من المديونية أو المصاريف الخفية، إضافة إلى اعتبار بعض الخدمات المالية معقدة.
90 بالمائة من الشباب النشطين دون 1500 دينار
أما بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و30 سنة، فقد بلغت نسبة الإدماج المالي 41 بالمائة أيضاً.
غير أن الدراسة تحذر من أن هذه النسبة قد تكون مبالغاً فيها نسبياً، لأن امتلاك الحساب يكون في عدد من الحالات مرتبطاً بأسباب إدارية، مثل الحصول على منحة جامعية أو دفع مصاريف جامعية، وليس نتيجة اختيار مالي مستقل.
والرقم الأكثر إثارة في الدراسة يتعلق بمداخيل الشباب:
90 بالمائة من الشباب النشطين في الولايات السبع المستهدفة صرحوا بأن دخلهم الشهري يقل عن 1500 دينار، أي نحو 445 يورو.
وبذلك تربط الدراسة بصورة مباشرة بين ضعف الدخل وضعف الاستقلالية الاقتصادية للشباب وبين محدودية نفاذهم إلى الخدمات المالية.
الشباب والنقد.. 99 بالمائة يستخدمون الدفع نقداً
وتكشف الدراسة أيضاً أن 99 بالمائة من الشباب المستجوبين يستخدمون النقد.
كما أن 46 بالمائة منهم لا يثقون في الخدمات المالية الرقمية لإدارة أموالهم، بسبب مخاوف مرتبطة بالأخطاء أو فقدان البيانات.
ولم يسبق لـ92 بالمائة من الشباب الحصول على قرض رسمي، في حين لا تتجاوز نسبة من يمتلكون محفظة إلكترونية 8 بالمائة، وفق نتائج الدراسة التي أوردتها المذكرة الفرنسية.
وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة: وجود حساب مالي لا يعني بالضرورة اندماجاً مالياً فعلياً، خصوصاً عندما يكون الحساب مرتبطاً بمنحة أو إجراء إداري، وليس بالادخار أو التمويل أو الاستثمار.
الموانئ التونسية تخسر في حجم البضائع
وفي قطاع آخر، تنقل الخزانة الفرنسية عن التقرير السنوي لديوان البحرية التجارية والموانئ أن حجم البضائع التي عالجتها الموانئ التجارية التونسية بلغ 27.1 مليون طن سنة 2025، مسجلاً تراجعاً بنسبة 2.6 بالمائة مقارنة بسنة 2024.
لكن تفصيل الأرقام يكشف تفاوتاً بين حركة الدخول والخروج.
فقد ارتفعت كميات البضائع الداخلة بنسبة 1.1 بالمائة إلى 17.6 مليون طن، في حين تراجعت البضائع الخارجة بنسبة 3.9 بالمائة إلى 9.5 ملايين طن.
وكان التراجع أكثر وضوحاً في بعض القطاعات.
فقد انخفض حجم حركة المحروقات بنسبة 7 بالمائة إلى حوالي 8 ملايين طن، نتيجة تراجع الكميات المصدرة من المحروقات بنسبة 26 بالمائة.
كما تراجعت البضائع الغذائية السائبة بنسبة 10.5 بالمائة إلى 4.3 ملايين طن.
لكن الحاويات تسجل اتجاهاً معاكساً
المفارقة في أرقام الموانئ أن حركة البضائع الإجمالية تراجعت، في حين سجل النقل بالحاويات نمواً بنسبة 9.5 بالمائة خلال سنة 2025.
وبلغ عدد الحاويات المعالجة حوالي 539 ألف حاوية مكافئة لعشرين قدماً.
ويستحوذ ميناء رادس على نحو 65 بالمائة من إجمالي حركة الحاويات في البلاد.
أما توزيع حجم البضائع على الموانئ، فقد تصدره رادس بنحو 6.7 ملايين طن، أي حوالي 25 بالمائة من إجمالي الحجم، يليه صفاقس وبنزرت بنسبة 18 بالمائة لكل منهما، ثم الصخيرة بنسبة 15 بالمائة.
والسياحة البحرية تسجل قفزة
وسجل نشاط آخر في الموانئ اتجاهاً إيجابياً قوياً.
فقد ارتفع عدد سياح الرحلات البحرية بنحو 22 بالمائة خلال 2025، ليتجاوز 272 ألف مسافر، مع تركز هذا النشاط بصورة شبه كاملة في ميناء حلق الوادي.
وبذلك تقدم بيانات الخزانة الفرنسية صورة مزدوجة للنشاط البحري التونسي: تراجع في حجم البضائع المتداولة، مقابل ارتفاع في حركة الحاويات والسياحة البحرية.
تونس أمام معادلة اقتصادية دقيقة
وتضع المذكرة الفرنسية هذه المؤشرات ضمن سياق أوسع من الضغوط على الاقتصاد التونسي.
فالنمو المتوقع عند 2.3 بالمائة لا يزال إيجابياً، لكنه يأتي في وقت يتسع فيه عجز الحساب الجاري إلى 4.1 بالمائة من الناتج، ويرتفع العجز الطاقي، بينما تبقى احتياجات التمويل مرتفعة مع محدودية الموارد الخارجية.
وفي المقابل، تكشف الأرقام الاجتماعية أن تحدي التمويل لا يتعلق فقط بتمويل الدولة، بل يمتد إلى قدرة جزء من السكان، وخاصة الشباب والنساء في عدد من الجهات، على الوصول إلى النظام المالي الرسمي.
أما في الموانئ، فتظهر الأرقام أن النشاط التجاري البحري لا يتحرك في اتجاه واحد، إذ تتراجع بعض أنواع البضائع بينما ترتفع حركة الحاويات والسفن السياحية.
وتقدم مذكرة الخزانة الفرنسية بذلك ثلاث صور للاقتصاد التونسي في الوقت نفسه: نمو مستمر ولكن أبطأ، ضغوط متزايدة على التمويل والطاقة، وتحولات متفاوتة بين القطاعات والجهات.
