في أعقاب كل جريمة اعتداء جنسي تهز الرأي العام، تتعالى الأصوات المطالبة بالقصاص الأقصى. تنطلق المظاهرات الغاضبة، وتشتعل منصات التواصل الاجتماعي بمطلب واحد لا بديل عنه: « الإعدام للمغتصب ». وأمام هذا الضغط الشعبي والعاطفي الجارف، تجد الحكومات نفسها مدفوعة لتبني خيار الردع الأقصى، ظناً منها أن حبل المشنقة كفيل بقطع دابر هذه الجرائم. لكن لغة الأرقام الصارمة ودراسات علم الجريمة تكشف عن واقع مغاير تماماً؛ فالإعدام لم يكن يوماً ترياقاً لإنهاء الاغتصاب، بل إن أثره الجنائي ظل أقرب إلى « الوهم ».
خريطة الدم: 31 دولة تتمسك بالعقوبة القصوى
تشير التقارير الجنائية والحقوقية الدولية إلى أن هناك نحو 31 دولة حول العالم لا تزال تدرج عقوبة الإعدام في ترسانتها القانونية لمواجهة جرائم الاغتصاب. تتوزع هذه الدول بشكل أساسي في قارتي آسيا وإفريقيا، إلى جانب تشريعات استثنائية في الولايات المتحدة الأمريكية.
تختلف المقاربات القانونية بين هذه الدول؛ ففي حين تطبق دول مثل الصين، وإيران، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة العقوبة بناءً على القوانين المحلية أو الأحكام المستمدة من الشريعة الإسلامية في حالات الإكراه الشديد، سارعت دول أخرى في جنوب آسيا مثل الهند، وباكستان، وبنغلاديش إلى تعديل قوانينها مؤخراً لتشمل الإعدام في حالات اغتصاب القاصرات أو الاعتداءات الجماعية البشعة التي تؤدي إلى الوفاة أو الغيبوبة الدائمة. وحتى في الولايات المتحدة، ورغم حظر المحكمة العليا إعدام بالغي السن في قضايا الاغتصاب التي لم تقترن بالقتل، مررت ولايات مثل فلوريدا وتينيسي قوانين جديدة تتحدى هذا الحظر لتطبيق الإعدام على مغتصبي الأطفال دون سن معينة.
الأرقام الصادمة: تغليظ العقوبة لم يمنع الجريمة
إذا كان الهدف الأساسي من العقوبة هو « الردع العام »، فإن نظرة فاحصة على المؤشرات الإحصائية في الدول التي تبنت الإعدام تكشف عن فشل ذريع في تحقيق هذا الهدف:
- الهند نموذجاً: بعد جريمة الاغتصاب الجماعي المأساوية التي هزت دلهي عام 2012 (قضية نيربها)، عدّلت الهند قوانينها لتدخل الإعدام حيز التنفيذ في قضايا محددة. ورغم تنفيذ أحكام إعدام علنية بحق الجناة لاحقاً، إلا أن البيانات الصادرة عن « المكتب الوطني لسجلات الجرائم » أظهرت أن معدلات الإبلاغ عن جرائم الاغتصاب لم تنخفض، بل سجلت البلاد في بعض السنوات اللاحقة أكثر من 31,000 حالة اغتصاب سنوياً، بمعدل يقترب من جريمة اغتصاب كل 17 دقيقة.
- باكستان وبنغلاديش: بعد إقرار عقوبة الإعدام للاغتصاب الجماعي واعتداءات الأطفال في بنغلاديش عقب احتجاجات 2020، استمرت المنظمات الحقوقية المحلية في رصد مئات الحالات سنوياً، مؤكدة أن القوانين الصارمة لم تؤثر في سلوك الجناة على الأرض.
لماذا يفشل الإعدام في تحقيق الردع؟
يفسر خبراء علم الجريمة والقانون هذا الفشل البنيوي من خلال أربعة حقائق رئيسية تحول دون تحقيق العقوبة لهدفها:
- حتمية العقاب لا شدته: يؤكد علماء الاجتماع الجنائي أن المجرم عندما يشرع في ارتكاب جريمته، لا يفكر في طبيعة العقوبة بقدر ما يفكر في « احتمالية القبض عليه ». في العديد من الدول التي تطبق الإعدام، تعاني المنظومة القضائية من بطء شديد، حيث لا تتجاوز نسبة الإدانة الفعلية في قضايا الاغتصاب بضع درجات مئوية صغيرة (تتراوح بين 20% إلى 30% في بعض دول جنوب آسيا)، مما يمنح الجاني شعوراً زائفاً بالقدرة على الإفلات.
- خطر تصفية الضحية: عندما تتساوى عقوبة الاغتصاب مع عقوبة القتل العمد (الإعدام)، يوضع الجاني أمام خيار منطقي ومرعب: قتل الضحية للتخلص من الشاهد الوحيد. تغليظ العقوبة بهذا الشكل يدفع الجناة إلى ارتكاب جريمة مزدوجة لطمس معالم الجريمة الأولى، طالما أن المصير في الحالتين واحد وهو حبل المشنقة.
- تراجع التبليغ وكتمان الجريمة: تشير البيانات الدولية إلى أن نسبة كبيرة من الاعتداءات الجنسية تحدث من قِبل أشخاص معروفين للضحية (أقارب، جيران، أو معارف). في المجتمعات المحافظة، عندما يعلم الأهل أن التبليغ عن الجاني سيقوده مباشرة إلى الإعدام، تزداد الضغوط العائلية والمجتمعية لـ « ستر الفضيحة » وكتمان الأمر، خوفاً من التسبب في إزهاق روح شخص تربطهم به صلات اجتماعية أو عائلية، مما يؤدي إلى غياب العدالة تماماً.
- تردد القضاة في الإدانة: العقوبة التي لا يمكن التراجع عنها (الموت) تجعل القضاة وهيئات المحلفين أكثر تردداً في إيجاد المتهم « مذنباً » ما لم تكن الأدلة قطعية بنسبة 100%، خشية وقوع خطأ قضائي لا يمكن تداركه. هذا التردد ينعكس طولاً في أمد التقاضي ويؤدي أحياناً إلى تبرئة متهمين لعدم كفاية الأدلة الفنية الشاملة.
البديل الحقيقي
تخلص التقارير الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان والهيئات الجنائية المستقلة إلى أن مكافحة الاغتصاب لا تبدأ من مشانق الإعدام، بل من إصلاح جذر المنظومة. الردع الحقيقي يتحقق عبر تسريع وتيرة التحقيقات والمحاكمات، وتدريب أجهزة الأمن على التعامل مع الضحايا بحرفية تضمن عدم إفلات الجاني، وتحديث المنظومة التعليمية لنبذ العنف الجنسي، وضمان الدعم النفسي والقانوني الكامل للناجين لكسر حاجز الصمت والوصول إلى عدالة ناجزة وحتمية.
في الأنظمة التي تعتمد العقوبات البديلة (السجن)، توجد مسافة قانونية فاصلة بين عقوبة الاغتصاب وعقوبة القتل العمد. هذا الفارق يحفز الجاني غريزياً على عدم قتل الضحية، لأن الإقدام على القتل سيضاعف عقوبته حتماً إلى السجن مدى الحياة أو تشديد ظروف حبسه.في المقابل، تؤكد تقارير التحالف العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام أنه في الدول التي تساوى فيها الاغتصاب مع القتل في نيل عقوبة الإعدام، رصدت جهات التحقيق نزوعاً متزايداً لدى الجناة نحو التخلص من الضحايا بالقتل أو التشويه لضمان عدم وجود شاهد رئيسي يرسلهم إلى حبل المشنقة، مما يرفع من معدلات الجريمة المقترنة بالقتل العمد.
