الرئيسيةآخر الأخبارمن منزل بوزلفة إلى جربة.. صمت المسؤولين يترك المجال للشائعات والاحتقان: من...

من منزل بوزلفة إلى جربة.. صمت المسؤولين يترك المجال للشائعات والاحتقان: من يخرج لتوضيح الحقيقة

لم تعد المسألة في منزل بوزلفة وجربة مجرد احتجاجات محلية أو نقاشات على شبكات التواصل الاجتماعي. ففي الأولى، انتهى الاحتقان المرتبط بالجدل حول نشاط مصنع «ناكسْت بروتين» إلى فاجعة وفاة حسين الدريدي، أب لستة أطفال، وفق المعطيات المتداولة بشأن الحادثة. وفي الثانية، تتسع دائرة الجدل حول عمليات اقتناء عقارات، وسط اتهامات وتلميحات خطيرة يجري تداولها على الإنترنت بشأن هويات بعض المشترين والأهداف المفترضة وراء تلك العمليات.

وبين المدينتين، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأحداث نفسها: أين الجهات الرسمية المعنية، ولماذا لا تبادر إلى تقديم توضيحات دقيقة للرأي العام، كلٌّ في مجال اختصاصه، قبل أن تتحول الشائعات إلى وقود لمواجهات يصعب احتواؤها؟

إن الصمت الرسمي، حين يتعلق الأمر بملفات تمس حياة المواطنين وبيئتهم وحقوقهم وممتلكاتهم، لا يساعد على تهدئة الأوضاع. بل قد يترك فراغاً تتسع داخله الروايات المتضاربة، وتختلط فيه الوقائع المثبتة بالاتهامات غير المؤكدة، ويصبح فيه كل طرف أسيراً للمعلومات التي تصله عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

منزل بوزلفة.. من الاحتجاج البيئي إلى الفاجعة

شهدت منزل بوزلفة من ولاية نابل، خلال الأيام الأخيرة، احتقاناً على خلفية الخلاف المرتبط بنشاط مصنع «ناكسْت بروتين»، المختص في إنتاج البروتينات من الحشرات، وما يرافقه من اعتراضات ومطالب بيئية واجتماعية.

وقد عبّر عدد من الأهالي المحتجين عن رفضهم للوضع القائم، مطالبين بالتدخل والاستماع إلى مشاغلهم، في حين تحدثت بيانات وشهادات محلية عن استمرار الخلاف بشأن نشاط المنشأة وتداعياته على المحيط.

لكن التطورات الأخيرة نقلت الأزمة إلى مستوى أكثر خطورة، بعد وفاة حسين الدريدي، أب لستة أطفال، إثر حادثة دهس بسيارة خرجت من المنشأة، وفق رواية المحتجين. وقد طالب أصحاب هذه الرواية بفتح تحقيق عاجل لتحديد ظروف الحادثة وما إذا كانت قد وقعت بصورة متعمدة، وهي مسألة لا يجوز حسمها قبل استكمال الأبحاث والاستماع إلى جميع الأطراف.

كما تعرض المصنع للحرق، وفق المعطيات المتداولة، في تطور يزيد من خطورة الوضع ويستوجب تحديد ملابسات ما حدث والمسؤوليات القانونية، بعيداً عن التعميم أو إصدار الأحكام المسبقة.

وأمام هذه التطورات، لا يكفي أن تقتصر الاستجابة الرسمية على التعامل مع تداعيات الاحتجاجات بعد وقوعها. فالمطلوب أيضاً توضيح أسباب استمرار الأزمة، والإجراءات التي اتخذتها الجهات المختصة للاستماع إلى الأهالي، والتحقق من الشكاوى البيئية، ومنع تحول الخلاف إلى مواجهات تهدد الأرواح والممتلكات.

أين وزارة البيئة وأملاك الدولة والسلطات الجهوية؟

تستدعي الأزمة توضيحات من وزارة البيئة والهياكل الرقابية التابعة لها بشأن الوضع البيئي للمنشأة، ونتائج أي عمليات تفقد أو قياسات أو اختبارات أُجريت في محيطها، ومدى احترامها للشروط والتراخيص البيئية المعمول بها.

كما تبرز الحاجة إلى توضيح دور وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية، والسلطات الجهوية والمحلية، كل في حدود اختصاصه، بشأن الوضعية العقارية للمنشأة، وطبيعة العقار الذي أقيمت عليه، ومدى استيفاء الإجراءات القانونية ذات الصلة، دون افتراض وجود مخالفات قبل التثبت منها.

ومن حق الرأي العام أن يعرف ما إذا كانت الجهات المختصة قد تلقت شكاوى سابقة، وما الإجراءات التي اتخذتها بشأنها، وما إذا كانت قد أجرت تحقيقات أو عمليات تفقد، وما النتائج التي يمكن نشرها قانونياً.

إن تقديم هذه المعلومات ليس استجابة لمطلب إعلامي فحسب، بل هو جزء من مسؤولية الدولة في حماية المواطنين وضمان تطبيق القانون وإتاحة المعلومات التي تساعد على فهم حقيقة النزاع.

فلو توفرت معطيات رسمية واضحة ومحدثة بشأن الوضع البيئي والقانوني للمنشأة، والإجراءات الرقابية المتخذة، لكان من الممكن تضييق مساحة التأويل والتضليل، حتى وإن لم تؤد تلك التوضيحات بالضرورة إلى إنهاء الخلاف.

أما بعد وفاة مواطن واحتراق منشأة، فإن الأولوية أصبحت مزدوجة: كشف حقيقة ما جرى، ومنع مزيد من التصعيد.

جربة.. اتهامات خطيرة وأسئلة عقارية تنتظر أجوبة

وفي جربة، يأخذ الجدل مساراً مختلفاً، لكنه يطرح بدوره مسألة الثقة في المؤسسات وضرورة حضور المعلومة الرسمية.

فقد تداولت شبكات التواصل الاجتماعي ادعاءات بشأن اقتناء أجانب عقارات وأراضٍ في الجزيرة بأسعار قيل إنها مرتفعة بصورة لافتة، وربط بعض أصحاب هذه الادعاءات تلك العمليات بأهداف سياسية، بل ذهبوا إلى اتهام أشخاص بالعمل لفائدة ما وصفوه بـ«اللوبي الصهيوني».

وهذه اتهامات خطيرة لا يجوز تقديمها باعتبارها حقائق ثابتة ما لم تسندها أدلة موثوقة. كما أن جنسية المشتري أو ارتفاع سعر العقار، في حد ذاتهما، لا يثبتان وجود مخطط سياسي أو نشاط غير قانوني.

لكن رفض الانسياق وراء الاتهامات غير المثبتة لا يعني تجاهل الأسئلة المشروعة بشأن مدى احترام القوانين المنظمة للمعاملات العقارية، وهوية المالكين الفعليين عند الاقتضاء، ومصدر الأموال، ومدى التزام العمليات بالقواعد الجبائية وقواعد الصرف والتراخيص المطلوبة.

وقد أعادت النائبة فاطمة المسدي هذا الملف إلى الواجهة بتوجيه سؤال كتابي إلى رئاسة الحكومة بشأن الإطار القانوني المنظم لتملك الأجانب للعقارات في تونس، وشروط الاقتناء والرقابة على المعاملات العقارية بجزيرة جربة.

ويكتسي هذا التحرك أهمية لأنه ينقل النقاش من دائرة الاتهامات المتداولة على الإنترنت إلى دائرة الأسئلة الموجهة إلى مؤسسات الدولة، التي يفترض أن تكون قادرة على تقديم إجابات مستندة إلى النصوص والبيانات والسجلات الرسمية.

ماذا يقول القانون، وماذا يجب أن توضحه الحكومة؟

يخضع تملك الأجانب للعقارات في تونس لمنظومة قانونية تتضمن الأمر المؤرخ في 4 جوان 1957 المتعلق بالعمليات العقارية، كما تم تنقيحه وإتمامه، إلى جانب النصوص الخاصة بالاستثمار والعقارات الفلاحية والتهيئة الترابية والتعمير وقواعد الصرف.

كما ينص الفصل الخامس من القانون عدد 71 لسنة 2016 المتعلق بالاستثمار على حرية المستثمر في اقتناء أو كراء أو استغلال العقارات غير الفلاحية لإنجاز عمليات الاستثمار المباشر أو مواصلتها، مع احترام التشريعات المنظمة لهذه العمليات.

غير أن الإشارة إلى حرية الاستثمار لا تعني إعفاء كل عملية عقارية من الشروط والإجراءات القانونية المنطبقة عليها. كما لا يصح، في المقابل، اعتبار كل عملية اقتناء يقوم بها أجنبي موضع شبهة لمجرد هوية المشتري.

وهنا تحديداً تبرز مسؤولية الحكومة: توضيح القواعد النافذة، وشرح الإجراءات المعتمدة في جربة، وتقديم البيانات المتاحة بشأن التراخيص المسندة والمطالب المرفوضة، في حدود ما يسمح القانون بنشره.

ويشمل ذلك أيضاً توضيح آليات التثبت من هوية المالكين والمستفيدين الحقيقيين عند الاقتضاء، ومراقبة المعاملات التي تتم عبر الشركات أو الهياكل الوسيطة، والتنسيق بين مصالح الولاية ووزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية ووزارة المالية والبنك المركزي والهياكل الرقابية المختصة.

ومن المهم كذلك أن توضح السلطات ما إذا كانت قد أجرت عمليات تفقد أو تحقيقات بشأن معاملات عقارية محددة، وما انتهت إليه تلك الأعمال، دون المساس بالمعطيات الشخصية أو بسرية الأبحاث التي يحميها القانون.

فالمطلوب ليس إصدار أحكام مسبقة بشأن المشترين، بل ضمان أن تكون كل معاملة خاضعة للقواعد نفسها، وأن تكون المؤسسات قادرة على إثبات احترام القانون أو تحديد المخالفات عند وجودها.

من يحمي النقاش العام من الانزلاق؟

تكشف الحالتان، على اختلاف طبيعتهما، عن خطر مشترك: عندما تتأخر المعلومة الرسمية، يتقدم عليها تداول الروايات والاتهامات.

في منزل بوزلفة، يتعلق الأمر بأزمة محلية مرتبطة بمنشأة صناعية واحتجاجات بشأن البيئة، انتهت إلى وفاة مواطن وحرق المصنع، وفق المعطيات المتداولة. وفي جربة، يتعلق الأمر بملف عقاري حساس، تتداخل فيه أسئلة قانونية واقتصادية مع ادعاءات ذات طابع سياسي وهوياتي.

وفي الحالتين، لا يمكن ترك المواطنين أمام روايات متضاربة، ولا يمكن أيضاً التعامل مع كل ما ينشر على شبكات التواصل الاجتماعي باعتباره حقيقة ثابتة.

المطلوب هو تدخل مؤسساتي واضح، يميز بين الوقائع المثبتة والادعاءات، ويجيب عن الأسئلة التي تقع ضمن اختصاص كل جهة، ويتيح للرأي العام المعلومات التي يمكن نشرها قانونياً.

فوزارة البيئة مطالبة بتوضيح ما يتعلق بالرقابة البيئية في منزل بوزلفة، ووزارة أملاك الدولة والجهات المعنية مطالبة بتوضيح المسائل العقارية الداخلة ضمن اختصاصها، فيما يتعين على السلطات القضائية والأمنية المختصة كشف ملابسات وفاة حسين الدريدي والحرق الذي تعرضت له المنشأة، كل في حدود صلاحياته.

وفي جربة، ينبغي أن تكون الإجابات الحكومية بشأن تملك الأجانب للعقارات مبنية على بيانات دقيقة ونصوص قانونية واضحة، لا على الانطباعات أو الاتهامات المتداولة.

المسؤولية قبل أن تتكرر الفاجعة

إن وفاة حسين الدريدي، وهو أب لستة أطفال وفق المعطيات المتداولة، تجعل كشف الحقيقة ضرورة عاجلة، لا مجرد مطلب احتجاجي. كما أن حرق المصنع يستوجب بدوره تحديد ظروفه والمسؤوليات المتعلقة به، من دون تبرير العنف أو استباق نتائج التحقيق.

وفي جربة، فإن معالجة المخاوف بشأن المعاملات العقارية تقتضي الشفافية وتطبيق القانون، بالتوازي مع رفض التخوين والتهديد والتشهير بالأشخاص استناداً إلى مزاعم لم تثبت صحتها.

ولا يمكن تحميل مسؤول بعينه مسؤولية التصعيد في أي من الحالتين من دون أدلة تثبت تقصيره أو إخلاله بواجباته. لكن كل مسؤول جهوي أو مركزي يثبت التحقيق أنه أهمل واجباً قانونياً أو امتنع عن اتخاذ إجراء يدخل ضمن صلاحياته، يجب أن يخضع للمساءلة وفق القانون.

إن المطلوب اليوم ليس بيانات عامة بعد وقوع الكارثة، بل أجوبة محددة قبل أن تتسع دائرة الغضب: ماذا تعرف الدولة؟ ماذا فعلت؟ وما الذي ستفعله الآن؟

فمنزل بوزلفة تحتاج إلى الحقيقة بشأن وفاة مواطنها وأسباب الأزمة البيئية والقانونية المحيطة بالمنشأة، وجربة تحتاج إلى توضيحات رسمية بشأن القواعد المنظمة للمعاملات العقارية ومدى احترامها.

أما ترك الفراغ للمعلومات غير المثبتة، فيهدد بتحويل الملفات التي يمكن معالجتها بالقانون والرقابة والحوار إلى أزمات مفتوحة على مزيد من الاحتقان.

وإذا كانت حماية الأرواح والممتلكات والثقة في المؤسسات مسؤولية الدولة، فإن أول خطوة في هذا الاتجاه هي أن تتحدث الجهات المعنية بالأرقام والوثائق والوقائع، وأن تتحمل مسؤولياتها في الوقت المناسب، لا بعد أن يصبح احتواء الأزمة أكثر صعوبة وكلفة.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى