بعد أن وضعت انتخابات الكنيست أوزارها، وجد المشهد السياسي الإسرائيلي نفسه أمام معادلة رقمية معقدة أفرزتها صناديق الاقتراع. فرغم تراجع معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحصاده 53 مقعداً فقط، فإن المعسكر الصهيوني المعارض لا يملك بمفرده سوى 48 مقعداً، مما يضع مفاتيح الأغلبية البرلمانية (67 مقعداً) بوضوح في أيدي الأحزاب العربية التي حققت قفزة تاريخية بالوصول إلى 19 مقعداً.
في خضم هذا الانسداد، خرج غادي آيزنكوت، رئيس حزب يشار، ليعلن عن نيته تفعيل هذه الأغلبية وفرض واقع سياسي جديد، واضعاً مبادرة تقوم على فتح الباب أمام أي عضو كنيست يرغب في الانضمام إلى الائتلاف، ولكن وفق شروط محددة سلفاً أطلق عليها المبادئ الأربعة.
هذه الشروط، التي صِيغت بصبغة صهيونية وأمنية واضحة، تشمل الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، وفرض الخدمة العسكرية أو المدنية الإلزامية على الجميع بما يشمل المواطنين العرب، بالإضافة إلى تصنيف حماس كمنظمة إرهابية والالتزام بالقضاء على قدراتها في قطاع غزة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري والمحوري الذي سيمهد الطريق للمرحلة المقبلة: فهل يقبل النواب العرب؟
الواقع يشير إلى أن آيزنكوت يحاول اللعب على حبل مشدود؛ فهو من جهة يحتاج رياضياً إلى دعم القائمة العربية لتمرير القوانين والاطاحة بنظام نتنياهو، ومن جهة أخرى يسعى عبر هذه الشروط الصارمة إلى تحصين ائتلافه المستقبلي من اتهامات اليمين بـ الاعتماد على جهات غير صهيونية.
لكن هذه المناورة تضع النواب العرب أمام معضلة حقيقية. فالمبادئ المطروحة، وتحديداً ما يتعلق بالهوية اليهودية للدولة وفرض الخدمة الوطنية والمدنية، طالما شكلت خطوطاً حمراء تاريخية للحركة السياسية العربية داخل الخط الأخضر، والتي ترى فيها مساساً بحقوقها القومية والمدنية.
إن الأيام القليلة المقبلة ستكشف ما إذا كان النواب العرب سيتجهون نحو براغماتية سياسية غير مسبوقة تهدف أولاً إلى إنهاء حقبة نتنياهو مقابل مكاسب مدنية لمجتمعهم، أم أن الشروط العقائدية والأمنية التي وضعها آيزنكوت ستكون بمثابة جدار صلب يحول دون أي تقارب، مما قد يدفع البلاد نحو شلل سياسي جديد أو جولة انتخابات سادسة.
