سلّطت مجلة «غرازيا» الفرنسية الضوء على مدينة المهدية التونسية، مقدّمة إياها باعتبارها وجهة جذابة للمتقاعدين الفرنسيين الباحثين عن حياة أقل كلفة ومناخ معتدل وشواطئ بعيدة عن صخب المدن السياحية المكتظة، في وقت تواجه فيه بعض الوجهات الأوروبية، وفي مقدمتها البرتغال، تحديات مرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع بعض الامتيازات الجبائية التي كانت تستقطب المتقاعدين الأجانب.
وفي مقال نشرته المجلة على موقعها الإلكتروني، اعتبرت أن شبه الجزيرة الإيبيرية، التي استقطبت طويلاً متقاعدين أوروبيين، بدأت تواجه منافسة من وجهات متوسطية أخرى، مشيرة إلى أن المهدية توفر مزيجاً من الشواطئ الرملية والموروث التاريخي وهدوء الحياة اليومية، إلى جانب كلفة معيشة أقل مقارنة بفرنسا والبرتغال، وفق تقييمها.
لكن المقال لا يقدم أرقاماً تثبت انتقال أعداد كبيرة من المتقاعدين الفرنسيين من البرتغال إلى تونس، ولا بيانات عن حجم هذه التحركات، بل يسلط الضوء على المهدية بوصفها خياراً محتملاً للراغبين في قضاء سنوات التقاعد خارج فرنسا.
المهدية.. شبه جزيرة تنافس الوجهات المتوسطية
تقع المهدية على الساحل الشرقي لتونس، وتتميز بموقعها البحري وشواطئها الرملية وميناء الصيد البحري، فضلاً عن مدينتها العتيقة التي تحتفظ بجزء مهم من ملامحها التاريخية.
وتستحضر المجلة بوابة «السقيفة الكحلة»، إحدى أبرز المعالم التاريخية بالمدينة، باعتبارها مدخلاً إلى أزقة المدينة العتيقة ومنازلها البيضاء، كما تشير إلى ميناء الصيد البحري ومنطقة رأس إفريقيا ومنارتها التي توفر مشهداً مميزاً عند غروب الشمس.
وترى «غرازيا» أن المهدية تتميز أيضاً بطابع عمراني أقل كثافة من بعض الوجهات السياحية التونسية المعروفة، مثل سوسة والحمامات، وهو ما يمنحها، وفق وصفها، طابعاً أكثر هدوءاً وأقرب إلى نمط الحياة الذي يبحث عنه بعض المتقاعدين.
ولا تقتصر جاذبية المدينة، بحسب المجلة، على الشواطئ، بل تشمل أيضاً المناخ المعتدل نسبياً خلال الشتاء، وفترات سطوع الشمس، وإمكانية الاستمتاع بالمشي والأنشطة الخارجية على امتداد السنة.
كلفة المعيشة.. العامل الحاسم في الاختيار
تضع المجلة الجانب المالي في صدارة العوامل التي قد تدفع المتقاعدين الفرنسيين إلى التفكير في الإقامة بتونس.
فمصاريف السكن والتسوق والمطاعم والخدمات اليومية أقل، بحسب تقديرها، مما هي عليه في فرنسا والبرتغال، وهو ما قد يسمح للمتقاعد الذي يتقاضى جراية ثابتة بالحصول على مستوى معيشة أفضل مقارنة بما يستطيع تحمله في بعض المدن الأوروبية.
وتشير المادة إلى إمكانية العثور على مساكن واسعة، بما في ذلك مساكن مطلة على البحر، بميزانيات أقل من نظيراتها في عدد من الوجهات الأوروبية الساحلية.
غير أن حجم التوفير الفعلي يختلف بحسب قيمة الجراية ونوع السكن وموقعه، فضلاً عن نفقات التأمين الصحي والتنقل والإقامة. ولذلك لا يمكن اعتبار انخفاض الأسعار وحده ضماناً لتحسن القدرة الشرائية لدى جميع المتقاعدين.
هل تصبح الامتيازات الجبائية ورقة تونس الرابحة؟
إلى جانب المناخ وكلفة المعيشة، تبرز المسألة الجبائية عاملاً آخر في المقارنة بين تونس والوجهات الأوروبية.
وتشير «غرازيا» إلى وجود نظام جبائي تونسي يمكن أن يوفر مزايا لبعض المقيمين الأجانب الذين يتلقون جرايات تقاعد من الخارج، في إطار الشروط المنصوص عليها في التشريع التونسي والاتفاقيات ذات الصلة.
لكن الانتفاع بهذه المزايا ليس آلياً، إذ يتوقف على طبيعة الجراية والوضعية الجبائية للمعني بالأمر والشروط القانونية المعمول بها. كما أن اختلاف المعاملة الجبائية بين أنواع الجرايات يستوجب التثبت من الحالة الفردية قبل اتخاذ قرار الانتقال.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في ظل التغيرات التي شهدتها البرتغال في سياستها المتعلقة بالامتيازات الجبائية الممنوحة لبعض المقيمين الأجانب، بعدما أنهت العمل بنظام تفضيلي كان يستقطب متقاعدين ووافدين من الخارج، مع إخضاع بعض الحالات الجديدة لقواعد مختلفة.
ولا يعني ذلك أن البرتغال فقدت جاذبيتها بالكامل، أو أن المتقاعدين الفرنسيين يغادرونها بأعداد كبيرة نحو تونس، لكنه يفسر لماذا أصبحت المقارنة بين الوجهات المتوسطية المختلفة أكثر أهمية لدى بعض الراغبين في الانتقال بعد التقاعد.
القرب من أوروبا والخدمات الصحية
من بين العناصر التي تناولها المقال أيضاً سهولة الوصول إلى المهدية من فرنسا، عبر الرحلات الجوية إلى مطار المنستير أو مطار تونس قرطاج، ثم مواصلة الطريق براً.
وتشير المجلة إلى أن موقع المدينة يسمح بالاستفادة من خدمات مدن ساحلية أخرى، خاصة سوسة والمنستير، حيث تتوفر مرافق صحية وخدمات متنوعة.
ويظل توفر الرعاية الصحية عاملاً أساسياً عند اتخاذ قرار الإقامة بعد التقاعد، خصوصاً بالنسبة إلى كبار السن الذين يحتاجون إلى متابعة طبية منتظمة. وفي هذا السياق، ينبغي التمييز بين وجود مرافق صحية في المنطقة وبين التثبت من نوعية الخدمات المطلوبة وتكلفتها وشروط تغطيتها بالنسبة إلى المقيمين الأجانب.
كما أن الإقامة الطويلة تطرح مسائل أخرى تتعلق بإجراءات الإقامة والتأمين الصحي والتحويلات المالية والالتزامات الجبائية في تونس وفرنسا.
فرصة لتونس أم مجرد اهتمام إعلامي؟
إعادة تسليط الضوء على المهدية في مجلة فرنسية تفتح باب النقاش بشأن قدرة المدن التونسية الساحلية على استقطاب مقيمين أجانب لفترات طويلة، لا مجرد زوار يقضون أياماً في الفنادق خلال الموسم السياحي.
فإذا تحول الاهتمام إلى إقامات فعلية وطويلة الأمد، فقد ينعكس ذلك على الطلب على السكن والخدمات الصحية والتجارة والمطاعم والنقل، فضلاً عن إمكانية تنشيط الاقتصاد المحلي خارج أشهر الذروة السياحية.
لكن تحويل هذا الاهتمام إلى فرصة اقتصادية ملموسة يتطلب بيانات عن عدد المقيمين الأجانب، وتطور طلبات الإقامة، وحجم الإنفاق، وطبيعة الاستثمارات المرتبطة بهذا النشاط. ولا يقدم مقال «غرازيا» هذه المعطيات، كما لا يثبت وجود انتقال جماعي للمتقاعدين الفرنسيين من البرتغال إلى المهدية.
وفي انتظار أرقام رسمية أو شهادات ميدانية تؤكد اتساع هذه الظاهرة، تبقى الرسالة الأساسية للمقال أن المهدية تمتلك عناصر قد تجعلها خياراً جذاباً لبعض المتقاعدين الباحثين عن البحر والهدوء وكلفة معيشة أقل.
