الرئيسيةآخر الأخبارنظام "الضمان" للقوارير: هل ينجح الحل الفرنسي في وقف نزيف البلاستيك بتونس؟

نظام « الضمان » للقوارير: هل ينجح الحل الفرنسي في وقف نزيف البلاستيك بتونس؟

بينما تعيد فرنسا في 2026 طرح فكرة فرض ضمان مالي على قوارير البلاستيك، بحيث يدفع المستهلك مبلغا إضافيا عند الشراء ثم يسترجعه عند إعادة القارورة، تبدو الفكرة جديرة بالنقاش في تونس، حيث تحولت النفايات البلاستيكية إلى مشكلة بيئية واقتصادية متزايدة.

فالأرقام التونسية تكشف حجم المشكلة: البلاد تستهلك حوالي 4.2 مليار كيس بلاستيكي سنويا، أي قرابة 400 كيس لكل فرد، فيما تنتج حوالي 188 ألف طن من النفايات البلاستيكية كل سنة، ضمن أكثر من 2.5 مليون طن من النفايات المنزلية. والأخطر أن نحو 60% من النفايات البلاستيكية لا تتم معالجتها بالشكل المناسب.

وتكشف هذه الأرقام أن المعركة مع البلاستيك في تونس لا يمكن أن تقتصر على حملات التوعية أو دعوة المواطن إلى عدم رمي القارورة في الشارع.

لماذا لا تصبح القارورة ذات قيمة؟

الفكرة التي تعود إلى الواجهة في فرنسا بسيطة: عندما يشتري المواطن قارورة، يدفع معها مبلغا صغيرا يمثل «ضمانا». وعندما يعيد القارورة إلى نقطة جمع، يسترجع ماله.

بهذه الطريقة تتحول القارورة من نفاية بلا قيمة إلى مادة لها ثمن.

وفي الحالة التونسية، يمكن لهذا النظام أن يعطي دفعة قوية لقطاع جمع البلاستيك، ويشجع المواطنين على إعادة القوارير بدلا من رميها، كما يمكن أن يوفر مادة أولية أكثر انتظاما ونظافة لمؤسسات الرسكلة.

تونس لديها منظومة.. لكن النتائج محدودة

تونس ليست بلا تجربة في هذا المجال. فمنظومة ايكو لف موجودة منذ سنوات بهدف استرجاع وتثمين النفايات، بما فيها العبوات البلاستيكية.

لكن المشكلة تكمن في ضعف أداء منظومة الجمع والرسكلة وتراجع مردوديتها. وتشير معطيات منشورة إلى أن نسبة الرسكلة الإجمالية للنفايات المنزلية في تونس لا تتجاوز 2.8%، ما يعكس الفجوة الكبيرة بين حجم النفايات المنتجة وما يدخل فعليا في دورة التثمين.

والنتيجة أن جزءا مهما من البلاستيك ينتهي في الطبيعة. وتشير معطيات نقلتها وكالة تونس إفريقيا للأنباء إلى أن حوالي 80 ألف طن من البلاستيك تلوث السواحل التونسية سنويا، بينها نحو 17 ألف طن تصل مباشرة إلى البحر.

من النفاية إلى صناعة تونسية

المسألة لا تتعلق بالبيئة فقط.

فكل قارورة يتم جمعها وفرزها يمكن أن تصبح مادة أولية لصناعة جديدة، وكل طن من البلاستيك تتم رسكلته داخل تونس يمكن أن يعني نشاطا اقتصاديا وفرص عمل واستثمارات جديدة.

وهنا تصبح فكرة «الضمان» أكثر من مجرد إجراء بيئي: إنها محاولة لإعطاء البلاستيك قيمة اقتصادية تشجع المواطن والجامع والمرسكل والمستثمر على إبقائه داخل الدورة الاقتصادية.

لكن التجربة الفرنسية نفسها تظهر أن نظام الضمان ليس حلا سحريا، إذ أثار انتقادات من بعض الجهات التي تخشى تأثيره على منظومة جمع النفايات الحالية. لذلك لا يتعلق الأمر بنسخ النموذج الفرنسي، وإنما بدراسة إمكانية بناء نظام تونسي يناسب واقع البلاد.

لماذا لا تبدأ تونس بالقوارير؟

قد يكون من الأسهل البدء بالقوارير البلاستيكية الخاصة بالمياه والمشروبات، باعتبارها عبوات واضحة وسهلة الفرز والجمع.

يمكن وضع مبلغ ضمان صغير، وإنشاء شبكة من نقاط الاسترجاع في المتاجر والمساحات التجارية، ثم قياس النتائج: عدد القوارير التي تم بيعها، وعدد القوارير التي عادت، وكميات البلاستيك التي تم جمعها، وتكلفة العملية، ونسبة ما تم تدويره داخل تونس.

فإذا نجحت التجربة، يمكن توسيعها تدريجيا.

المشكلة أن تونس تنتج 188 ألف طن من النفايات البلاستيكية سنويا، وتستهلك مليارات الأكياس، بينما لا تزال نسبة كبيرة من النفايات خارج مسار المعالجة السليمة.

لذلك قد يكون السؤال الحقيقي الذي يستحق أن تطرحه تونس اليوم:

لماذا تبقى القارورة نفاية عندما يمكن أن تصبح مالا؟

فإذا كان المواطن سيستعيد جزءا من أمواله بمجرد إعادة القارورة، فقد تتحول عملية جمع البلاستيك من عبء على الدولة إلى سلوك اقتصادي له حافز مباشر، ومن مشكلة بيئية مزمنة إلى جزء من اقتصاد دائري يمكن أن تستفيد منه تونس.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى