عشر جنازات في يوم واحد… عشر عائلات فقدت أبناءها، وحومة كاملة غارقة في الحزن. في بن قردان، لم يكن هذا اليوم يوماً عادياً، ولم تكن المقبرة مجرد مكان لدفن الموتى، بل تحولت إلى عنوان لفاجعة تركت وراءها أسئلة كثيرة وقلوباً مكسورة.

خيام نُصبت في المقبرة، تشبه في شكلها خيام الأفراح التي اعتاد الناس إقامتها في المناسبات السعيدة. لكن هذه المرة لم تكن هناك زغاريد ولا أصوات فرح. كانت هناك دموع، ووجوه شاحبة، وأيدٍ مرفوعة إلى السماء بالدعاء، وأمهات وآباء ينتظرون أن تستوعب قلوبهم حقيقة أن أبناءهم لن يعودوا إلى البيوت.
المأساة بدأت عندما غادر مركب يقلّ 15 مهاجراً سواحل بن قردان نهاية الأسبوع الماضي، قبل أن يختفي أثره في عرض البحر. وبعد ساعات وأيام من الانتظار والبحث، بدأت الجثامين في الظهور، بينما ظل ناجٍ واحد فقط يصارع البحر.

ذلك الناجي عاش نحو 48 ساعة وسط الأمواج، قبل أن تعثر عليه سفينة تجارية وتنقذه. أما الآخرون، فتحول حلم الوصول إلى الضفة الأخرى إلى رحلة أخيرة لم تكتمل.
لكن أكثر ما جعل الفاجعة ثقيلة على بن قردان أن سبعة من ركاب المركب كانوا ينتمون إلى عائلة واحدة، وفق المعطيات التي نقلها رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان مصطفى عبد الكبير. سبعة أفراد من العائلة نفسها في مركب واحد، ثم سبعة أسماء تتحول إلى غائبين، وسبع عائلات صغيرة داخل عائلة أكبر تفقد أبناءها دفعة واحدة.
وفي مثل هذه المآسي، لا تبدو الأرقام مجرد أرقام.
الـ15 مهاجراً ليسوا رقماً في حصيلة حادث غرق. إنهم أبناء، وإخوة، وآباء، وأزواج، وأصدقاء. خلف كل اسم حكاية، وخلف كل جثمان بيت ينتظر، وأم ربما ظلت طوال الأيام الماضية تتشبث بأمل صغير: لعل ابني على قيد الحياة.
وفي المقبرة، تختصر الخيام المشهد كله.
خيام تشبه خيام الأعراس، لكن المناسبة هذه المرة جنازات متتالية. لا موسيقى ولا ضحكات، فقط القرآن والدعاء، وصوت البكاء الذي لا يحتاج إلى ترجمة.
هذه ليست مأساة البحر وحده. إنها مأساة حلم يزداد قسوة كلما اقترب من الأمواج. شباب يغادرون بحثاً عن حياة أفضل، فيجدون أنفسهم أمام بحر لا يرحم، وأسر تعود إلى بيوتها بأثقل ما يمكن أن يحمله الإنسان: نعش ابن.
وفي بن قردان اليوم، لا تحتاج المدينة إلى كثير من الكلام. يكفي أن ترى عشرة نعوش، وعشر عائلات ثكلى، وخياماً منصوبة في المقبرة، لتفهم أن البحر لم يأخذ مهاجرين فقط، بل أخذ معه أحلاماً كاملة وترك وراءه مدينة ترتدي الحداد.
قد تُطوى صفحات الحادثة بعد أيام، وقد تتغير الأرقام في نشرات الأخبار، لكن بالنسبة إلى تلك العائلات، لن يكون هناك «حادث» ينتهي بانتهاء البحث عن المفقودين.
سيبقى هناك كرسي فارغ في البيت، وصورة معلقة على الجدار، وهاتف لن يرن بالطريقة التي كانت تنتظرها الأم، واسم سيُذكر كلما اجتمعت العائلة.
عشر جنازات في يوم واحد…
وأحياناً، تكون هذه الجملة وحدها كافية لتروي حجم الكارثة.