كشف الخبير الاقتصادي آرام بلحاج أن الأزمات التي عرفتها تونس خلال صيف 2026، من اضطرابات الكهرباء والماء إلى صعوبات التزويد بالمياه المعلبة، لا يمكن اختزالها في ظروف ظرفية، معتبراً أنها تعكس اختلالات هيكلية تراكمت على مدى سنوات نتيجة ضعف التخطيط والاستباق والاستثمار في البنية التحتية الحيوية.
وأوضح بلحاج أن ما يبدو استقراراً في عدد من المؤشرات الاقتصادية يخفي، في المقابل، «تآكلاً بنيوياً تراكمياً»، مشيراً إلى أن أزمة هذا الصيف تمثل دليلاً واضحاً على هذا المسار.
واعتبر أن أبرز مظاهر الخلل تتمثل في العجز الاستثماري المزمن في الشركة التونسية للكهرباء والغاز والشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، إذ انتقلت صدمة الطاقة، وفق تحليله، عبر سلسلة مترابطة لتتحول إلى أزمة في المياه، ثم إلى صعوبات في تعبئة المياه المعلبة.
معالجة الأعراض بدل جذور الأزمة
وانتقد الخبير الاقتصادي طبيعة بعض الإجراءات التي اتخذت خلال الأزمة، معتبراً أنها ركزت أساساً على التحكم في الأسعار والعرض السعري، في حين أن المشكلة الأعمق تتعلق بقدرة الإنتاج والبنية التحتية.
وقال إن هذا الأسلوب يعكس نمطاً متكرراً في إدارة الأزمات، يقوم على معالجة الأعراض الظاهرة دون معالجة جذور الاختلال، وهو ما قد يؤدي إلى عودة الأزمة في قطاعات أخرى وبأشكال مختلفة.
ويرى بلحاج أن المطلوب ليس بالضرورة ضخ مزيد من الإنفاق العام، خاصة في ظل الوضعية المالية الحالية، مشيراً إلى أن العجز في حدود 5.2 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي والدين العمومي في حدود 83 بالمائة، وهما مستويان لا يسمحان، وفق تقديره، بتوسيع الإنفاق دون قيود.
ماذا يمكن أن يفعل قانون المالية 2027؟
ويعتبر بلحاج أن قانون المالية لسنة 2027 يمكن أن يمثل فرصة لإصلاح جزء من الوضعية التي وصلت إليها البلاد، داعياً إلى تغيير الأولويات من التركيز على المؤشرات الكلية وحدها إلى ضمان الحد الأدنى من الاستثمار في البنية التحتية الأساسية.
ويقترح في هذا السياق جملة من الإجراءات، في مقدمتها تسوية الديون المتقاطعة بين الدولة وشركتي الكهرباء والمياه، بما يسمح بتحرير السيولة المتاحة لهما وتمكينهما من تمويل جزء من احتياجاتهما الاستثمارية.
كما يدعو إلى إعادة توجيه جزء من دعم الطاقة نحو الاستثمار في الشبكات، إلى جانب تطوير الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مجال الطاقة الشمسية اللامركزية، وهو خيار يرى أنه يتطلب تغيير النظرة إلى دور القطاع الخاص في تمويل وتنفيذ المشاريع.
وفي قطاع المياه، يقترح بلحاج التركيز على معالجة الفاقد المائي الذي يتجاوز 30 بالمائة من خلال برامج صيانة موجهة جغرافياً إلى المناطق الأكثر تضرراً، بما يسمح بتحقيق نتائج سريعة نسبياً وبكلفة أقل من إنشاء مشاريع جديدة بالكامل.
كما يشدد على إمكانية اللجوء إلى تمويل خارجي مخصص في شكل قروض ميسرة من المؤسسات المالية الإقليمية لتمويل مشاريع البنية التحتية، بما يخفف الضغط المباشر على ميزانية الدولة.
معيار جديد للسياسة المالية
وبحسب بلحاج، فإن التحدي الحقيقي أمام قانون المالية المقبل لا يتمثل فقط في المحافظة على توازنات المالية العمومية، بل في اعتماد معيار جديد يقوم على كفاية الاستثمار في البنية التحتية الحيوية.
ويحذر الخبير الاقتصادي من أن استمرار تأجيل الاستثمارات الضرورية في قطاعات الكهرباء والمياه قد يجعل الأزمات المقبلة أكثر كلفة، خصوصاً مع تزايد الضغوط على الموارد الطبيعية وارتفاع الطلب.
وتختصر رؤية بلحاج في أن توازن الأرقام الكلية لا يكفي وحده لضمان الاستقرار الاقتصادي، إذا كانت البنية التحتية التي تقوم عليها الحياة الاقتصادية والخدمات الأساسية تواصل التآكل.
فأزمة صيف 2026، وفق هذا التحليل، لم تكن مجرد أزمة كهرباء أو ماء أو مياه معلبة، بل كشفت عن سلسلة مترابطة من الاختلالات، تبدأ من نقص الاستثمار وتنتهي بأزمات تمس المواطن مباشرة. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل سيكون قانون مالية 2027 نقطة تحول، أم ستتواصل سياسة إدارة الأزمات بعد وقوعها؟
