الرئيسيةآخر الأخبارإنفجار «الكاش» في تونس... ثلاثة خبراء يطلقون صيحة فزع

إنفجار «الكاش» في تونس… ثلاثة خبراء يطلقون صيحة فزع

أكثر من 30 مليار دينار خارج الجهاز المصرفي… الشكندالي وبلحاج وسانتوس دياز يحذرون: التونسيون يعودون إلى النقد والاقتصاد الموازي يتمدد

30 مليار دينار نقداً. رقم لم يعد مجرد معطى في جداول البنك المركزي التونسي، بل تحول إلى علامة استفهام ضخمة حول ما يحدث داخل الاقتصاد.

في وقت تتحدث فيه تونس عن الرقمنة والتكنولوجيا المالية والدفع الإلكتروني، يسجل النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي مستويات قياسية، متجاوزاً في أوت 2026 حاجز 30 مليار دينار، مقابل نحو 25.9 مليار دينار قبل سنة.

أي أن أكثر من 4 مليارات دينار إضافية دخلت دائرة النقد المتداول خلال عام واحد.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

لماذا يحتاج الاقتصاد التونسي إلى كل هذا «الكاش»؟

ثلاثة خبراء اقتصاديين، من زوايا مختلفة، يضعون هذه الظاهرة تحت المجهر، ويكشفون أن المسألة قد تكون أعمق بكثير من مجرد زيادة في السيولة.

الشكندالي: ليست مسألة تضخم فقط

الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي لا يرى أن التضخم وحده قادر على تفسير هذه القفزة.

صحيح أن ارتفاع الأسعار يدفع الأسر والمؤسسات إلى استخدام كمية أكبر من النقود لتمويل معاملاتها، لكن ارتفاع النقد المتداول بوتيرة تقارب 16 بالمائة خلال سنة، في اقتصاد لا يسجل نمواً بالسرعة نفسها، يعني وفق هذه القراءة أن سلوك التونسيين في الدفع تغير.

أحد المفاتيح، بحسب الشكندالي، هو التغيير الذي عرفته منظومة الشيكات.

فمع تراجع استعمال الشيك كأداة للدفع، لم تتطور البدائل الرقمية والإلكترونية بالسرعة الكافية، وهو ما قد يكون دفع جزءاً من المعاملات نحو النقد.

ثم جاءت مسألة القيود على التداول النقدي لتزيد من جاذبية «الكاش».

والنتيجة؟

الأموال التي كانت تمر عبر البنوك يمكن أن تجد طريقها الآن إلى جيوب المواطنين وخزائن المؤسسات.

الاقتصاد الموازي يدخل على الخط

لكن القصة لا تنتهي عند الشيكات.

الاقتصاد الموازي يمثل أحد أكبر المستفيدين من التعامل النقدي.

فالمعاملة النقدية لا تمر بالضرورة عبر الحساب البنكي، ولا تترك الأثر نفسه الذي تتركه التحويلات والدفوعات الإلكترونية.

وهنا تصبح كل زيادة في حجم النقد المتداول سؤالاً مشروعاً حول حجم النشاط الاقتصادي الذي يتحرك بعيداً عن الرقابة الرسمية.

وبالنسبة إلى الدولة، فإن المسألة تعني شيئاً آخر أيضاً:

أموال تدور خارج المنظومة الرسمية تعني موارد جبائية قد لا تصل إلى الخزينة.

آرام بلحاج: أكثر من 4 مليون دينار في سنة

الخبير الاقتصادي آرام بلحاج يلفت بدوره إلى ضخامة الزيادة.

أكثر من 4 ميون دينار إضافية في النقد المتداول خلال سنة واحدة ليست، في تقديره، مجرد حركة موسمية يمكن المرور عليها مرور الكرام.

بل إن الرقم، وفق قراءته، يتجاوز العوامل الظرفية ويكشف عن خلل هيكلي.

ثلاثة عناصر تتقاطع هنا: اقتصاد موازٍ يعتمد على «الكاش»، أزمة ثقة في المنظومة المصرفية، ونظام دفع رقمي لم ينجح بعد في تغيير سلوك شرائح واسعة من التونسيين.

وبذلك تصبح المسألة أكبر من مجرد أوراق نقدية تتداول في السوق.

إنها علاقة التونسي بالبنك وبالدولة وبالاقتصاد الرسمي.

وعندما يخرج المال من البنك… ماذا يحدث؟

الأموال التي تبقى نقداً خارج البنوك لا تؤدي الدور نفسه الذي يمكن أن تؤديه عندما تكون داخل الجهاز المصرفي.

فالبنوك تحتاج إلى الموارد المالية لتوفير القروض وتمويل المؤسسات والأسر والاستثمار.

وكلما زادت الأموال المحتفظ بها خارج النظام البنكي، تراجعت الموارد التي يمكن أن تتحول إلى تمويل اقتصادي عبر القنوات المصرفية.

كما أن توسع المعاملات خارج الجهاز المصرفي يجعل مهمة السياسة النقدية أكثر تعقيداً.

فالبنك المركزي يستطيع التأثير في النشاط الاقتصادي عبر أدواته النقدية والقطاع المصرفي، لكن فعالية هذه الأدوات تصبح أصعب عندما تتوسع دائرة المعاملات التي تتم بعيداً عن البنوك.

الخبير الأمريكي: تونس تملك التكنولوجيا… لكن التونسي يختار «الكاش»

المفارقة الأكثر إثارة تأتي من الخبير الأمريكي ريشي سانتوس دياز.

ففي تحليله حول التكنولوجيا المالية في تونس، لا يقول إن البلاد تفتقر إلى التكنولوجيا أو الكفاءات أو الحلول الرقمية.

العكس تماماً.

تونس، وفق هذه القراءة، تمتلك الكفاءات البشرية، والشركات الناشئة، وحلول الدفع الإلكتروني، وإطاراً تنظيمياً يسمح بتطوير التكنولوجيا المالية.

لكن هناك مشكلة أكبر:

التكنولوجيا تتقدم، بينما السلوك الاقتصادي يتغير ببطء.

والنتيجة أن الاقتصاد التونسي يعيش مفارقة صارخة:

حلول الدفع الرقمية تتطور… والنقد المتداول يرتفع.

ويرى سانتوس دياز أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في ابتكار تطبيقات جديدة، وإنما في إقناع المواطن والمؤسسة بأن الدفع الرقمي آمن وموثوق ومفيد.

أي أن المسألة في جانب كبير منها مسألة ثقة.

30 مليار دينار… والرقم ليس بريئاً

عندما يتجاوز النقد المتداول 30 مليار دينار، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: هل الرقم كبير؟

السؤال الأهم:

ماذا يقول هذا الرقم عن الاقتصاد التونسي؟

يقول إن النقد لا يزال يحتل موقعاً مركزياً في حياة التونسيين.

ويقول إن الاقتصاد الموازي لا يمكن تجاهله.

ويقول إن التحول الرقمي لم يصل بعد إلى المرحلة التي تغير فيها طريقة تعامل المواطنين والمؤسسات مع أموالهم.

ويقول أيضاً إن هناك مشكلة ثقة تحتاج إلى معالجة، سواء تعلق الأمر بالبنوك أو وسائل الدفع أو العلاقة مع الدولة.

الخطر الأكبر… أن يصبح «الكاش» اقتصاداً داخل الاقتصاد

المشكلة ليست أن التونسي يحمل أموالاً نقدية.

المشكلة أن تتحول المعاملات النقدية إلى اقتصاد موازٍ داخل الاقتصاد.

اقتصاد لا يظهر كله في الحسابات الرسمية، ولا يمر كله عبر البنوك، ولا يخضع كله للجباية، ولا تستفيد منه المؤسسات المالية في تمويل النشاط الاقتصادي.

وعندها تصبح الأوراق النقدية أكثر من وسيلة دفع.

تصبح مؤشراً على حجم الاقتصاد الذي لا تراه الدولة بالكامل.

الحل؟ اجعلوا البنك أفضل من «الجيب»

الحل، في النهاية، لا يمكن أن يكون مجرد منع النقد أو تخويف المواطن من استعماله.

إذا أرادت الدولة تقليص الاعتماد على «الكاش»، فعليها أن تجعل البديل أكثر جاذبية.

دفع إلكتروني سريع ورخيص.

خدمات مصرفية أكثر ثقة.

وسائل دفع بديلة للشيك.

تسهيلات أكبر للمؤسسات والأفراد.

رقمنة حقيقية لخدمات الدولة.

وإصلاح جبائي يجعل دخول الاقتصاد الموازي إلى الدورة الرسمية أقل كلفة وأكثر فائدة.

فلا يمكن إجبار الناس على ترك «الكاش» إذا كانت المنظومة البديلة لا تمنحهم ما يكفي من الثقة والسهولة.

30 مليار دينار… صيحة إنذار

الرقم القياسي للنقد المتداول يجب أن يكون مناسبة لفتح نقاش اقتصادي جدي.

أكثر من 30 مليار دينار نقداً في اقتصاد واحد.

الشكندالي يرى في الظاهرة تغيراً في سلوك الدفع وتوسعاً محتملاً للنقد على حساب الوساطة البنكية.

وبلحاج يقرأها كإشارة إلى خلل هيكلي يتغذى من الاقتصاد الموازي وأزمة الثقة وضعف الدفع الرقمي.

أما سانتوس دياز فيضع إصبعه على المفارقة: تونس تطور التكنولوجيا المالية، لكن سلوك الاقتصاد لا يزال أسير النقد.

ثلاث قراءات مختلفة، لكن الرسالة واحدة:

انفجار «الكاش» لم يعد مجرد رقم… إنه جرس إنذار للاقتصاد التونسي.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى