إن الحدث الأهم هذا الأسبوع، والذي مر دون أن يلاحظه أحد، هو التحول العقائدي للبنك الدولي بشأن دور الدولة في الاقتصاد.
المؤسسة الرائدة لـ « إجماع واشنطن »، التي طالما دافعت عن التحرير الاقتصادي، وتقليل تدخل الدولة، والخوصصة، أجرت للتو تحولاً بنسبة 180 درجة: فهي تدعم الآن فكرة « الدولة الاستراتيجية »؛ دولة تنموية، تعزز التنمية الصناعية وتضمن الأمن الاقتصادي للبلاد بنفس قدر كفاءة الأسواق.
إن هذا التحول يقول الخبير الاقتصادي الهاشمي علية عبر موقع ايكو ويك ليس بالأمر الهين، بل يشهد على تغير عميق في طبيعة قواعد اللعبة الاقتصادية العالمية. إن وجود دولة كفء ذات رؤية استراتيجية أمر لا غنى عنه تماماً كالسوق لخلق الثروة وتلبية احتياجات الشعب.
دولة استراتيجية أم دولة مفترسة؟
باختصار، هو تحديث للفكر الاقتصادي يهم تونس بشكل مباشر، وهي بلد لعبت فيه الدولة دائماً الدور الرئيسي في الاقتصاد. دولة تمتلك طموح التحديث وتحمل رؤية تنموية تقوم على منطق ثابت في إدارة الموارد والاندماج الدولي. وهو منطق يبدو أنه استُنفد بشكل كبير اليوم.
أصبحت الدولة التونسية الآن خاضعة لإدارة النقص، واقتطاع الموارد الضريبية، والحفاظ على الريع القائم، والبقاء المالي على المدى القصير. دولة تمتص حصة متزايدة من الموارد الوطنية دون تحويلها إلى مكاسب مستدامة في الإنتاجية، أو السيادة الاقتصادية، أو التحول الهيكلي. وبهذا المعنى، يصبح من المناسب التساؤل عن مدى كفاءة تدخل الدولة التونسية في الاقتصاد، والتطرق إلى انحرافها نحو « دولة مفترسة ».
1. اقتصاد أكثر نقداً وأكثر اعتماداً على السيولة
يقدم الوضع النقدي هذا الأسبوع المؤشر الأول على هذا الانحراف. فبين عام 2021 ونهاية ماي 2026، تضخمت الكتلة النقدية بنسبة قاربت 60%. وكان هذا التوسع قوياً بشكل خاص اعتباراً من عام 2024، بمعدلات سنوية من خانتين. إن مثل هذا الديناميكية بعيدة كل البعد عن أن تعكس التطور المالي لاقتصاد ينمو؛ فالنمو الحقيقي يظل ضعيفاً، والاستثمار لا يزال غير كافٍ، والارتفاع في الكتلة النقدية يعكس تراكم الاختلالات أكثر مما يعبر عن ازدهار النسيج الإنتاجي.
وما هو أكثر كشفاً هو ديناميكية السيولة النقدية (الكاش)، والتي تضاعفت تقريباً بين عامي 2021 و2026 لتنتقل من 15.8 إلى 28.6 مليار دينار. ويعني هذا التطور أن الاقتصاد التونسي أصبح في الوقت نفسه أكثر نقداً وأكثر اعتماداً على السيولة. وفي حين تسعى « الدولة الاستراتيجية » إلى تقليل هذا الاعتماد على الكاش من خلال إدماج المواطنين في القطاع المصرفي وتحديث وسائل الدفع، فإن توسع الكاش هنا يشير على العكس من ذلك إلى نظام تنتشر فيه السيولة خارج القنوات الشفافة، حيث يظل القطاع غير الرسمي قوياً، وحيث تفشل الدولة في تحويل خلق النقود إلى استثمار إنتاجي.
2. الائتمان المصرفي: أداة للبقاء المالي
المؤشر الأساسي الثاني هو هيكل الائتمان. فقد ارتفعت القروض الممنوحة للدولة المركزية من 18.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2021 إلى 38.3% في عام 2026، وارتفعت حصة الدولة من إجمالي القروض المصرفية من 19.6% إلى 35.7%. وعلى العكس من ذلك، تراجعت القروض الموجهة للإقتصاد من 75.7% إلى 68.9% من الناتج المحلي الإجمالي، وانخفض نموها السنوي إلى 3.4% في عام 2026.
الملاحظة واضحة: النظام المصرفي التونسي مجند بشكل متزايد لتمويل الدولة، وبدرجة أقل فأقل لدعم الاقتصاد الإنتاجي. إن الدولة التنموية توجه الائتمان نحو الاستثمار الإنتاجي، بينما تعمد « الدولة المفترسة » إلى امتصاص الائتمان لتمويل نمط عيشها وضمان بقائها. وفي تونس اليوم، أصبح الائتمان المصرفي أداة للبقاء المالي والجمود الميزاني بدلاً من أن يكون محركاً للنمو.
3. إزاحة المخاطر بدلاً من تخفيض الديون
يقدم الدين الخارجي توضيحاً إضافياً. إذ إن تراجع نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي (من 87.6% إلى 70.0% بين الربع الأول من 2021 والربع الأول من 2026) قد يوحي بتخفيض في حجم الديون. ولكن في الحقيقة، هذا التحسن النسبي يخفي إعادة هيكلة أكثر إقلاقاً: فقد ارتفعت حصة الدين قصير الأجل من إجمالي الدين الخارجي من 27.0% إلى 43.5%، في حين ارتفعت القروض التجارية من 15.0% إلى 29.5%.
كما انخفضت حصة دين الدولة المركزية بينما ارتفعت حصة القطاعات الأخرى. إن الدولة التونسية لا تقلل بالفعل من الهشاشة الإجمالية: بل تستبدل ديناً داخلياً متزايداً بدين خارجي تم ضبطه قليلاً، وتقبل بهيكل دين أقصر أجلاً وأكثر تجارية، وبالتالي أكثر خطورة. نحن بعيدون كل البعد عن تخفيض استراتيجي للديون؛ بل يتعلق الأمر بإزاحة للمخاطر.
4. تدفقات غير كافية من الاستثمارات الأجنبية المباشرة
تقدم الاستثمارات الأجنبية المباشرة مرآة أخرى. ففي « الدولة الاستراتيجية »، تُستخدم الاستثمارات الأجنبية المباشرة كرافعة للتحول: فهي تكمل الاستثمار المحلي، وتنشر الخبرات، وتعزز الصادرات ذات القيمة المضافة العالية، وتندرج ضمن رؤية صناعية.
أما في تونس، ورغم انتعاش التدفقات مؤخراً، فإن التدفقات الصافية (بما في ذلك استثمارات المحافظ المالية) تظل ضئيلة للغاية. والأسوأ من ذلك، أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة تتركز في قطاعات محدودة (القطاع الفرعي للكهرباء والإلكترونيات يستحوذ وحده على 46% من التدفقات)، ويعود نموها إلى الشركات المستقرة سابقاً وليس إلى تدفق مستثمرين جدد (89% من المشاريع هي عمليات توسعة). ووفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ، تظل الاستثمارات الأجنبية المباشرة « دون المستوى المأمول » بسبب ضعف مناخ الاستثمار. وبصراحة، فإن الدولة التونسية لا تستخدم الاستثمارات الأجنبية المباشرة كعنصر ضمن استراتيجية صناعية.
5. ريع الخدمات (السياحة وتحويلات المغتربين) في خدمة الافتراس
إن المزدوج الاعتماد على الطاقة والحبوب يندرج ضمن نفس المخطط. إن الدولة الاستراتيجية كانت ستجعل من الانتقال الطاقي، والطاقات المتجددة، وكفاءة الطاقة، وإصلاح تسعير الطاقة ركيزة أساسية للسيادة الاقتصادية. وكانت ستتعامل مع الاعتماد على الحبوب كقضية أمن قومي، عبر تسريع تحديث الري، وإنتاجية زراعة الحبوب، وإدارة المياه.
إنه فشل لا يضاهيه إلا الفشل الذي يطبع قطاع السياحة. فالدولة الاستراتيجية كانت ستستخدم هذا القطاع كمنصة للانتقال نحو خدمات أكثر تطوراً، وبناء روابط أقوى مع الاقتصاد المحلي، والارتقاء بالجودة؛ بينما تكتفي « الدولة المفترسة » بريع سياحي رخيص وهش، بل وآخذ في الانكماش (2.4% من الناتج المحلي الإجمالي قبل 2010؛ مقابل 1.8% – 1.9% خلال السنوات الخمس الأخيرة).
دولة بلا رؤية وبلا مشروع مصداقية
عند تجميع هذه العناصر معاً، تتشكل ملامح دولة أقرب إلى « الدولة المفترسة ». فالدولة التونسية تجند الائتمان الداخلي، والدين المحلي والخارجي، والاستثمارات الأجنبية المباشرة، وعائدات السياحة، وأموال المغتربين، لتمويل نموذج اقتصادي واجتماعي مهترئ ومستنزف تماماً؛ نموذج غير قادر على خلق الثروة ووظائف الشغل.
وبدلاً من تقليل نقاط ضعفه، تقوم الدولة التونسية بإزاحتها وإعادة تدويرها. إنها تدعم الطلب والسلم الاجتماعي بأموال لا تملكها، على حساب تدهور التوازنات الميزانياتية ونقص الاستثمار في المرافق العامة الإنتاجية. فهي لا تكتفي بكونها دولة « هشة »، بل أصبحت دولة تستحوذ وتستهلك رأس المال الاقتصادي والمالي للبلاد لتأجيل الإصلاحات، دون إعادة بناء مشروع تنموي جاد.



