الرئيسيةأخبار تونسالإخصاء الكيميائي.. عقوبة تعود إلى الواجهة بعد قضية قاصر بالملاسين

الإخصاء الكيميائي.. عقوبة تعود إلى الواجهة بعد قضية قاصر بالملاسين

أعادت قضية الفتاة القاصر بالملاسين، وما رافقها من معطيات حول شبهة تعرضها لاعتداء جنسي مقترن بالإكراه واستعمال مواد مخدرة، فتح نقاش واسع في تونس حول العقوبات التي يمكن اعتمادها في الجرائم الجنسية، وخاصة عندما يتعلق الأمر بقاصرين.

ومن بين المقترحات التي عادت بقوة إلى الواجهة الدعوة إلى اعتماد الإخصاء الكيميائي، باعتباره إجراءً تعتمده أو تختبره عدة دول، وإن كانت طرق تطبيقه تختلف بصورة كبيرة من بلد إلى آخر.

والإخصاء الكيميائي لا يعني الاستئصال الجراحي للأعضاء التناسلية، وإنما يعتمد على أدوية تخفض مستوى هرمون الذكورة «التستوستيرون» وتحد من الرغبة الجنسية، وغالباً ما يستخدم إلى جانب العلاج النفسي والمتابعة الطبية.

بريطانيا تدرس توسيع التجربة

المثير في التجربة البريطانية أن النقاش لم يعد مجرد طرح سياسي، بل دخل مرحلة التطبيق التجريبي.

ففي ماي 2025 أعلنت وزيرة العدل البريطانية آنذاك، شبانا محمود، توسيع استعمال الأدوية التي تساعد على التحكم في الاستثارة الجنسية لدى بعض مرتكبي الجرائم الجنسية، من تجربة كانت قائمة في جنوب غرب إنجلترا إلى منطقتين إضافيتين، بما يجعل البرنامج يشمل 20 سجناً.

وفي سبتمبر من العام نفسه أعلنت وزارة العدل البريطانية أن توسيع البرنامج سيتيح لنحو 6400 من مرتكبي الجرائم الجنسية إمكانية الوصول إلى هذه الأدوية، بالتوازي مع العلاج النفسي، في إطار محاولة الحد من العودة إلى الجريمة. وتشمل الأدوية مضادات الأندروجين التي تخفض إنتاج التستوستيرون والرغبة الجنسية، إلى جانب أدوية أخرى تستهدف الأفكار الجنسية المتطفلة.

والأهم أن الحكومة البريطانية لم تغلق الباب أمام جعل هذا الإجراء إلزامياً مستقبلاً. فقد نصت إصلاحات العدالة البريطانية على استكشاف إمكانية جعل استعمال هذه الأدوية إلزامياً بالنسبة إلى بعض مرتكبي الجرائم الجنسية، بعد تقييم التجربة ودراسة آثارها القانونية والطبية والأخلاقية.

لكن بريطانيا لا تعتبر الإخصاء الكيميائي في الوقت الحالي عقوبة إلزامية عامة لكل مرتكب لجريمة جنسية.

لماذا تتحفظ بريطانيا على الإلزام؟

هذا الجانب من التجربة البريطانية مهم، لأنه يكشف أن المسألة ليست مجرد تشديد للعقوبات، وإنما تطرح أيضاً أسئلة طبية وأخلاقية وقانونية.

فالتقرير البريطاني المستقل حول إصلاح نظام العقوبات يشدد على أن العلاج الدوائي لا ينبغي أن يستخدم بمفرده كوسيلة لإدارة خطورة المجرم أو كبديل عن برنامج إعادة التأهيل، وأنه لا يصلح إلا لعدد محدود من مرتكبي الجرائم الجنسية.

كما يشير التقرير إلى أن الموافقة الطبية المستنيرة تمثل مسألة أساسية في القانون والأخلاقيات الطبية في إنجلترا وويلز، ولذلك أوصى بدراسة التجارب الدولية وآثارها قبل اتخاذ قرار بشأن توسيع البرنامج أو جعله إلزامياً.

وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط إثارة للجدل: هل يجوز إجبار شخص مدان على تناول دواء يغيّر وظائفه الجسدية والهرمونية باعتباره جزءاً من العقوبة، أم أن الأمر يجب أن يبقى علاجاً طبياً قائماً على الموافقة؟

إيطاليا.. النقاش وصل إلى حكومة ميلوني

إيطاليا بدورها دخلت هذا النقاش خلال السنوات الأخيرة.

ففي 2023 أعاد حزب الرابطة، أحد مكونات الائتلاف الحكومي الذي تقوده جورجيا ميلوني، طرح مشروع يتعلق بالإخصاء الكيميائي لمرتكبي جرائم الاغتصاب والاعتداءات الجنسية.

وفي سبتمبر 2024 وافقت الحكومة الإيطالية على فتح مسار رسمي لدراسة إمكانية استخدام العلاج الدوائي، بما في ذلك ما يعرف بالحجب الأندروجيني، بالنسبة إلى المدانين بجرائم الاغتصاب، مع إخضاع المسألة لمراجعة قانونية وطبية.

وبالتالي، فإن حكومة ميلوني فتحت الباب أمام دراسة الإجراء، فيما جاءت المبادرة السياسية الأولى أساساً من حزب الرابطة داخل الائتلاف الحكومي.

كوريا الجنوبية.. تجربة قائمة منذ سنوات

كوريا الجنوبية من أبرز الدول التي اختارت إدخال العلاج الدوائي لتقليص الدافع الجنسي لبعض مرتكبي الجرائم الجنسية في منظومتها القانونية.

ويتيح النظام الكوري إخضاع بعض المدانين بجرائم جنسية، في حالات محددة، لعلاج يهدف إلى الحد من الدافع الجنسي، خصوصاً عندما ترى السلطات القضائية والطبية وجود خطر من تكرار الجريمة.

ولا يقتصر النظام على الدواء وحده، بل يرتبط أيضاً بالمتابعة النفسية والطبية.

بولونيا.. نموذج أكثر تشدداً

وفي بولونيا، يسمح القانون باستخدام الإخصاء الكيميائي الإلزامي في حالات محددة من الجرائم الجنسية، خصوصاً تلك المرتبطة بالاعتداءات على الأطفال.

وتختلف التجربة البولونية عن ألمانيا والدنمارك، حيث تشير المراجعة البريطانية المستقلة إلى أن استخدام كبح الرغبة الجنسية في هذين البلدين يتم على أساس طوعي.

إندونيسيا اختارت إدخاله في القانون

أما إندونيسيا فأقرت سنة 2016 تشريعاً يسمح باستخدام الإخصاء الكيميائي ضد بعض مرتكبي الجرائم الجنسية بحق الأطفال.

ويأتي الإجراء هناك ضمن منظومة عقوبات وتدابير إضافية، وليس باعتباره بديلاً بسيطاً عن السجن.

الولايات المتحدة.. الأمر يختلف من ولاية إلى أخرى

في الولايات المتحدة لا توجد منظومة اتحادية موحدة تفرض الإخصاء الكيميائي على جميع مرتكبي الجرائم الجنسية.

لكن عدداً من الولايات أقر قوانين تسمح باستخدامه في ظروف محددة، وخاصة في حالات العود أو عندما تكون الضحية طفلاً، وقد يكون الإجراء إلزامياً أو مرتبطاً بقرار قضائي أو بالإفراج المشروط بحسب التشريع المعتمد في كل ولاية.

وتوجد كذلك تجارب وتشريعات في دول أخرى، بينها كازاخستان، إضافة إلى بلدان في أوروبا الشرقية، مع اختلاف كبير في طبيعة الإجراء وشروطه القانونية والطبية.

ليس «إعداماً بديلاً» ولا عقوبة واحدة في كل الدول

ومن الأخطاء الشائعة في النقاش الدائر حول الإخصاء الكيميائي التعامل معه وكأنه عقوبة واحدة تطبق بالطريقة نفسها في جميع البلدان.

ففي بعض الدول هو علاج طبي طوعي، وفي دول أخرى يمكن أن يكون إجراءً قضائياً إلزامياً، بينما تستخدمه أنظمة أخرى ضمن الإفراج المشروط أو برامج إعادة التأهيل.

كما أنه في عدد من النماذج لا يلغي عقوبة السجن، بل يأتي إلى جانبها.

والأمر لا يتعلق أيضاً بالإخصاء الجراحي، إذ إن العلاج الكيميائي يقوم على أدوية يمكن أن يتوقف تأثيرها عند التوقف عن استعمالها، وإن كانت لها آثار جانبية ومخاطر طبية تستوجب المتابعة.

ماذا عن تونس؟

في تونس، أعادت قضية القاصر بالملاسين هذا النقاش إلى الواجهة، لكن الملف القضائي نفسه ما يزال في مرحلة البحث، وفق المعطيات المتوفرة.

فالشبهة انحصرت في شابين كانا برفقة القاصر، وهما في حالة فرار ومدرجان بالتفتيش، في حين تم الاحتفاظ بممرض وشخص ثان للاشتباه في التستر على الاعتداء والمشاركة فيه.

كما تم فتح بحث ثان على خلفية رشق الوحدات الأمنية التي تحولت إلى مكان الواقعة بالحجارة والمقذوفات الصلبة.

وتوجد القاصر حالياً بالمستشفى، ولم يتم، وفق المعطيات المتوفرة، الاستماع إلى أقوالها إلى حد الآن.

لذلك فإن الدعوات المتداولة في تونس إلى اعتماد الإخصاء الكيميائي تبقى مقترحات في النقاش العام، وليست عقوبة منصوصاً عليها حالياً في القانون التونسي لهذه القضية.

لكن التجارب الدولية تطرح سؤالاً سيعود على الأرجح إلى الواجهة: هل يمكن لتونس أن تبحث في اعتماد الإخصاء الكيميائي كإجراء إضافي ضد بعض مرتكبي الجرائم الجنسية الخطيرة، وخاصة تلك التي تستهدف الأطفال؟

السؤال لم يعد نظرياً تماماً. فبريطانيا توسع تجربة تشمل عشرات السجون وتدرس إمكانية جعلها إلزامية، وإيطاليا فتحت نقاشاً رسمياً حولها، بينما تعتمدها دول أخرى منذ سنوات بأشكال مختلفة.

ويبقى الخلاف الحقيقي في النهاية حول حدود العقوبة: هل يكون الإخصاء الكيميائي عقوبة، أم علاجاً، أم إجراءً وقائياً بعد انتهاء السجن؟

وهو نقاش قانوني وطبي وأخلاقي لن تحسمه وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما يحتاج إلى دراسة دقيقة للتجارب الدولية، وفاعلية هذه الأدوية، آثارها الجانبية، وضمانات المحاكمة، وحقوق الضحايا، ومدى قدرة أي نظام جديد على الحد فعلاً من تكرار الجرائم الجنسية.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى