حذّر الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي، في قراءة لتقرير البنك الدولي الأخير حول تونس، من تداعيات الاختلالات الاقتصادية وأزمة المياه التي تواجهها البلاد، معتبراً أن الاقتصاد التونسي يسجل تعافياً محدوداً، لكنه ما يزال يواجه ضغوطاً مالية واختلالات هيكلية عميقة.
ويشير تقرير البنك الدولي، الصادر في سبتمبر 2026 تحت عنوان «تحدّي المياه في تونس: من الندرة إلى القدرة على التكيّف»، إلى أن النمو الاقتصادي بلغ 2.7 بالمائة خلال سنة 2025 و2.4 بالمائة على أساس سنوي خلال النصف الأول من 2026، فيما تُقدّر توقعات النمو لكامل سنة 2026 بـ2.3 بالمائة.
وفي قراءته للتقرير، أوضح الشكندالي أن النمو جاء أساساً من تحسن أداء القطاع الفلاحي والصناعات الغذائية والصناعات الميكانيكية والكهربائية، مقابل استمرار تراجع قطاعات أخرى، من بينها المحروقات والنسيج والبناء.
كما توقف الخبير الاقتصادي عند تطور العجز الخارجي والضغوط على احتياطي العملة الصعبة، مشيراً إلى أن العجز الطاقي يمثل جزءاً كبيراً من العجز التجاري، في وقت ما تزال فيه المالية العمومية تحت ضغط ارتفاع الدين والاعتماد المتزايد على التمويل الداخلي.
وسجل الشكندالي كذلك أن معدل البطالة تراجع إلى 14.9 بالمائة خلال الثلاثي الثاني من 2026، لكنه لفت إلى استمرار الفوارق الكبيرة بين الرجال والنساء في سوق الشغل، إذ بلغت بطالة النساء، وفق معطيات التقرير، 21.6 بالمائة مقابل 11.8 بالمائة لدى الرجال.
المياه في صلب التحذير
ويعتبر الشكندالي أن أبرز ما يلفت الانتباه في تقرير البنك الدولي هو تشخيصه للوضع المائي في تونس. فالموارد المائية المتجددة لا تتجاوز، وفق التقرير، نحو 380 متراً مكعباً للفرد سنوياً، وهو مستوى يقع دون عتبة الفقر المائي المطلق. ويحذر البنك الدولي من أن تغير المناخ وتزايد الطلب سيواصلان الضغط على الموارد المائية المحدودة.
ويشير التقرير إلى أن عدم التحرك لمواجهة أزمة المياه قد يؤدي إلى خسارة نحو 6.4 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول سنة 2050، فضلاً عن فقدان ما لا يقل عن 30 بالمائة من مواطن الشغل في القطاع الفلاحي. كما يؤكد البنك الدولي أن تداعيات ندرة المياه لن تقتصر على الفلاحة، بل ستمتد إلى السياحة والصناعات الغذائية والصناعة وغيرها من القطاعات المرتبطة بالمياه.
ويرى الشكندالي أن توصيات البنك الدولي، خاصة المتعلقة بمراجعة تعريفة المياه والري وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مشاريع تحلية المياه، تستوجب نقاشاً اقتصادياً واجتماعياً واسعاً، بالنظر إلى انعكاساتها المحتملة على كلفة الإنتاج والقدرة الشرائية.
كما أشار إلى ضرورة معالجة مشكلات التمويل ومزاحمة الدولة للقطاع الخاص في القروض البنكية، معتبراً أن الدعوة إلى الحد من التمويل النقدي المباشر للميزانية من البنك المركزي تطرح في المقابل مسألة توفير بدائل تمويلية في ظل صعوبة النفاذ إلى الأسواق المالية الدولية.
وكان البنك الدولي قد أكد أن معالجة أزمة المياه تتطلب، إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية، تحديث مجلة المياه، ووضع إطار لإعادة استعمال المياه المعالجة، وتقليص ضياع المياه، وتحسين الأداء المالي والتشغيلي لمؤسسات القطاع، مع حماية الأسر محدودة الدخل.
ويخلص الشكندالي إلى أن أزمة المياه لم تعد ملفاً بيئياً أو قطاعياً فحسب، بل أصبحت، وفق قراءته، أحد العوامل التي ستحدد قدرة الاقتصاد التونسي على النمو والمحافظة على مواطن الشغل خلال العقود المقبلة.
