كانت تتعرض للعنف، وتسامح، ثم تعود إلى حياتها مع الرجل نفسه. كانت أمّها تعرف جانباً من معاناتها، وكانت هناك، وفق الشهادات المتداولة، اعتداءات سابقة.
لكن أحداً لم يكن يتصور أن تنتهي حكاية الشابة التي لم تتجاوز الثانية والعشرين بهذه الطريقة المروعة، تاركة وراءها ثلاثة أطفال، أصغرهم رضيعة لم تتجاوز ثلاثة أشهر.
في جبل الجلود، لا يتعلق الأمر بمجرد خبر جديد عن جريمة قتل داخل منزل. نحن أمام حكاية شابة في عمر الزهور، وأم لثلاثة أطفال، تقول المعطيات الأولية المتداولة إنها عُثر عليها مربوطة إلى كرسي بعد تعرضها لتعذيب شديد أفضى إلى وفاتها.
ووفق ما نشرته صفحة تداولت تفاصيل الواقعة، فقد جرت مداهمة منزل يُشتبه في ارتباط صاحبه بترويج المخدرات، ليُعثر على زوجته، البالغة من العمر 22 سنة، في تلك الوضعية المروعة. وأضاف المنشور أن المشتبه به لاذ بالفرار، فيما كانت أصغر أطفالهما، وهي رضيعة في شهرها الثالث، لدى جدتها التي تقيم في الطابق السفلي من المكان نفسه.
هذه تفاصيل بالغة الخطورة، ولا بد أن تتولى الأبحاث القضائية تثبيتها وكشف ملابساتها. لكن ما يجعل القضية أكثر إيلاماً هو ما ورد في الشهادات المتداولة عن حياة ميسم قبل هذه النهاية، وعن عنف لم يكن، بحسب رواية عائلتها، حادثاً معزولاً.
«أمي أعطيني دينار».. آخر ما طلبته من أمها
قبل يوم واحد من الجريمة، كانت ميسم تتحدث إلى أمها، وكانت آخر كلماتها، وفق ما نقلته عائلتها، طلباً بسيطاً: «أمي أعطيني دينار».
دينار واحد. مبلغ لا يكاد يساوي شيئاً في حسابات الكبار، لكنه يصبح موجعاً حين نعرف أن صاحبته شابة في الثانية والعشرين، وأم لثلاثة أطفال، تعيش ظروفاً صعبة، ولا يبدو أنها كانت تملك الاستقلال المادي الذي يسمح لها ببناء حياة آمنة بعيداً عن العنف.
كم من تفصيل صغير يختصر حياة كاملة؟ وكم من مرة طلبت فيها ميسم شيئاً بسيطاً، بينما كانت تحتاج، في الحقيقة، إلى ما هو أكبر بكثير: الأمان، والاستقرار، والقدرة على اتخاذ قرار بشأن حياتها وحياة أطفالها؟
لا نعرف كل تفاصيل ظروفها المادية، ولا يجوز أن نستنتج من جملة واحدة أنها كانت محرومة من كل شيء. لكن هذه الكلمات، كما نقلتها عائلتها، تفتح نافذة على واقع شابة وجدت نفسها، في عمر مبكر جداً، أمام مسؤوليات ثقيلة، من دون أن تتوفر لها بالضرورة الوسائل التي تساعدها على الخروج من علاقة مؤذية.
كانت تعرف العنف قبل أن تعرف الموت
الأكثر إيلاماً في حكاية ميسم أن العنف، وفق شهادة والدتها المتداولة، لم يبدأ في اليوم الذي انتهت فيه حياتها.
تتحدث الأم عن اعتداءات سابقة، وعن إصابات لحقت بابنتها، وعن سلوك عنيف كان يتكرر، بحسب روايتها، حتى في ظروف لا علاقة لها بالخلافات الزوجية. كما تشير الشهادة إلى أن ميسم سبق أن اشتكت من العنف، ثم سامحت زوجها وعادت إلى العيش معه.
هذه المعطيات، إن تأكدت تفاصيلها، تفرض علينا التوقف عند السؤال الذي كثيراً ما يُطرح بعد كل جريمة مماثلة: لماذا لم تغادر؟
السؤال يبدو بسيطاً، لكنه يتجاهل أحياناً واقعاً معقداً تعيشه نساء كثيرات. فمغادرة منزل الزوجية ليست قراراً سهلاً عندما تكون المرأة بلا دخل قار، أو لا تملك مسكناً بديلاً، أو تخشى على أطفالها، أو تجد نفسها أمام عائلة لا تستطيع توفير الحماية اللازمة لها.
وقد تكون المرأة خائفة من الرجل الذي يعنفها، وقد تتمسك بالأمل في أن يتغير، وقد تعود إليه تحت ضغط اجتماعي أو عائلي، أو لأنها لا ترى أمامها خياراً آخر.
والأهم من كل هذا أن عودتها لا تجعلها مسؤولة عما تتعرض له، ولا تمنح المعتدي أي مبرر لمواصلة العنف.
إذا كانت ميسم قد اشتكت بالفعل من اعتداءات سابقة، فإن من حق الرأي العام أن يعرف، في إطار احترام القانون وقرينة البراءة، ما إذا كانت قد تقدمت بشكاوى رسمية، وكيف جرى التعامل معها، وما إذا كانت هناك مؤشرات خطر كان يمكن أن تستوجب تدخلاً لحمايتها.
22 سنة.. وثلاثة أطفال
في عمر الثانية والعشرين، يكون كثير من الشباب بصدد إكمال دراستهم الجامعية أو البحث عن أول فرصة عمل أو التخطيط لمستقبلهم. أما ميسم، فقد أصبحت أماً لثلاثة أطفال، أكبرهم لم يكد يعرف من الحياة شيئاً، وأصغرهم لا يزال في أشهره الأولى.
وهنا لا بد من طرح سؤال آخر: كيف وجدت شابة في هذا العمر نفسها أمام مسؤولية أسرة كاملة، في ظروف يبدو أنها كانت صعبة، ومن دون أن تتمكن من بناء استقلال اقتصادي يحميها عند الأزمات؟
لا يتعلق الأمر بالحكم على اختياراتها أو على توقيت زواجها، بل بفهم الظروف التي تجعل بعض النساء أكثر عرضة للاستمرار في علاقات عنيفة. فكلما غابت الموارد المالية، والسند العائلي، وخدمات الإيواء والمساعدة، أصبح الخروج من دائرة العنف أكثر صعوبة.
أما اليوم، فقد خسر أطفال ميسم أمهم. والرضيعة التي لم تتجاوز ثلاثة أشهر ستكبر من دون أن تعرف أمها كما ينبغي، فيما سيحتاج شقيقاها إلى رعاية خاصة تساعدهما على تجاوز هذه الصدمة.
وإذا ثبتت الوقائع المتداولة، فإن ما حدث لا يمثل اعتداءً على امرأة فحسب، بل مأساة امتدت آثارها إلى ثلاثة أطفال لم يختاروا الظروف التي ولدوا فيها، ولا يتحملون أي مسؤولية عما حدث.
كم امرأة قُتلت في تونس خلال سنة 2026؟
قضية ميسم تعيد إلى الواجهة ظاهرة تقتيل النساء، ولا سيما الجرائم التي تقع داخل العلاقات الزوجية أو العائلية، حيث قد يتحول المنزل الذي يفترض أن يوفر الأمان إلى مكان للخوف والتهديد.
وفي تقرير نشرته جمعية «أصوات نساء» خلال سنة 2026، استناداً إلى أعمال رصد وتوثيق سابقة، جرى الإعلان عن تسجيل 30 ضحية لجرائم تقتيل النساء خلال سنة 2025، إلى جانب خمس محاولات قتل.
وتشير هذه الحصيلة إلى خطورة الظاهرة، لكنها لا تعني أن جميع الضحايا قتلن على أيدي أزواجهن، إذ يجب التمييز بين مجموع جرائم تقتيل النساء والجرائم التي يكون الزوج أو الشريك هو مرتكبها.
أما بالنسبة إلى سنة 2026، فلا أملك حصيلة وطنية محينة وموثقة تسمح بتحديد عدد النساء اللاتي قتلن على أيدي أزواجهن منذ بداية السنة وحتى 2 نوفمبر 2026. ومن غير المهني تقديم رقم غير مؤكد أو الخلط بين حالات رصدتها الجمعيات وحصيلة رسمية شاملة.
لكن غياب رقم نهائي لا يقلل من خطورة ما حدث لميسم، ولا يعفي الجهات المعنية من مسؤولية توفير إحصاءات دقيقة ومعلنة، تتيح معرفة عدد الضحايا، وعلاقة الجناة بهن، وما إذا كانت هناك شكاوى أو اعتداءات سابقة.
فمن دون معطيات واضحة، يصعب تقييم مدى نجاعة التدخلات الوقائية، أو معرفة أين تتعثر منظومة الحماية، أو تحديد ما يحتاج إلى إصلاح عاجل.
القانون موجود.. فهل تصل الحماية في الوقت المناسب؟
تونس لديها القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، وهو إطار قانوني يهدف إلى الوقاية من العنف وحماية الضحايا وملاحقة مرتكبيه.
لكن وجود النص القانوني لا يكفي وحده. فالحماية الحقيقية تبدأ عندما تجد المرأة من يستمع إليها، ويأخذ تهديداتها على محمل الجد، ويقيّم مستوى الخطر الذي تواجهه، ويوفر لها المساعدة اللازمة قبل أن تتفاقم الأمور.
كما أن الحماية لا تنفصل عن الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي. فالمرأة التي لا تملك دخلاً أو مسكناً بديلاً قد تجد نفسها مضطرة إلى البقاء في وضع مؤذٍ، حتى عندما تخشى على حياتها.
لذلك، فإن مواجهة العنف ضد النساء تتطلب أكثر من التنديد بالجريمة بعد وقوعها. إنها تحتاج إلى متابعة جدية للشكاوى، وتنسيق بين الجهات الأمنية والقضائية والاجتماعية، وتوفير مراكز إيواء ومساعدة قانونية ونفسية، فضلاً عن حماية الأطفال الذين يعيشون داخل بيئة يسودها العنف.
وفي قضية ميسم تحديداً، تظل معرفة ما إذا كانت هناك شكاوى سابقة، وما إذا كانت قد وصلت إلى الجهات المختصة، وما الإجراءات التي اتخذت بشأنها، من أهم النقاط التي ينبغي أن تكشفها الأبحاث، من دون استباق نتائج التحقيق أو توجيه اتهامات غير مثبتة.
«ظل راجل ولا ظل حيطة».. إلى متى؟
لطالما ترددت في مجتمعاتنا مقولة «ظل راجل ولا ظل حيطة»، وكأن وجود المرأة داخل علاقة زوجية، مهما كانت ظروفها، أفضل من استقلالها أو خروجها منها.
لكن حكاية ميسم تفرض مراجعة هذا المنطق. فالزواج ليس حماية في حد ذاته، ولا يمكن اعتبار بقاء المرأة مع زوجها نجاحاً إذا كانت تعيش تحت التهديد والإهانة والاعتداء.
ليس من حق أحد أن يطالب امرأة بالبقاء في علاقة عنيفة حفاظاً على صورة الأسرة، ثم يتعامل مع موتها باعتباره حادثاً مؤسفاً انتهى. الأسرة التي تقوم على الخوف ليست أسرة آمنة، والأطفال الذين يشاهدون العنف لا تحميهم مجرد إقامة الأبوين تحت سقف واحد.
علينا أن نفهم قبل ذلك أن مسؤولية الضحية ليست في أنها لم تتخذ القرار الذي نراه مناسباً من الخارج، بل إن مسؤولية المجتمع ومؤسساته تكمن في أن يجعل طلب الحماية ممكناً، وأن يوفر للمرأة خيارات حقيقية حين تصبح حياتها مهددة.
الأم في القبر.. والأطفال أمام مستقبل مجهول
رحلت ميسم، وبقي أطفالها الثلاثة أمام مأساة سترافقهم طويلاً. ولن تعوضهم الكلمات الغاضبة ولا حملات التضامن العابرة عن فقدان أمهم، بل يحتاجون إلى رعاية نفسية واجتماعية مستمرة، وإلى ضمانات تحميهم من أن يصبحوا ضحايا إضافيين لهذه الجريمة.
أما بالنسبة إلى ملابسات الوفاة والمسؤوليات الجزائية، فتبقى من اختصاص القضاء والأبحاث الجارية، التي ينبغي أن تكشف حقيقة ما حصل وتحدد المسؤوليات بناء على الأدلة.
لكن المسؤولية الاجتماعية تبدأ الآن، ولا تنتظر صدور الحكم. تبدأ بالسؤال عن مصير الأطفال، وعن كيفية حمايتهم، وعن الإجراءات التي يجب اتخاذها حتى لا تتكرر مأساة امرأة أخرى كانت تعيش العنف في صمت.
ميسم لم تتجاوز الثانية والعشرين. كانت أماً لثلاثة أطفال، وكانت، وفق شهادة عائلتها، قد عرفت العنف قبل أن تنتهي حياتها في جريمة مروعة.
وإذا كانت آخر كلماتها لأمها، كما نقلت العائلة، «أمي أعطيني دينار»، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى في أذهاننا أكبر من تلك الكلمات: كم امرأة أخرى تعيش اليوم الخوف نفسه، ولا تجد من يسمعها أو يساعدها قبل فوات الأوان؟
رحم الله ميسم، وحفظ أطفالها. فالمطلوب اليوم ليس فقط محاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة، بل أن نمنع تحول حكايتها إلى خبر جديد ننساه بعد أيام، فيما تظل نساء أخريات ينتظرن النجدة خلف أبواب مغلقة.
