لم تكن نتائج الدورة الأولى لامتحان الباكالوريا 2026 مجرّد إعلان سنوي عابر، بل بدت هذه المرة أقرب إلى صورة مكشوفة لبلد يعيش على إيقاع جغرافيتين مختلفتين: تونس الساحل وتونس الداخل.
الأرقام جاءت واضحة، وربما قاسية في وضوحها. يقول ابراهيم الوسلاتي المدير السابق للمرصد الوطني للشباب في الصدارة، تواصل ولايات الساحل تسجيل أفضل نسب النجاح، حيث تتقدّم صفاقس 2 بـ55,16%، تليها صفاقس 1 ثم مدنين والمهدية و المنستير و سوسة.
في المقابل، تتراجع ولايات الداخل إلى ذيل الترتيب، مع نسب لا تتجاوز أحيانًا 26% و27% في جندوبة والقصرين، ولا تتحسن كثيرًا في القيروان والكاف وسليانة وقفصة.
الفارق بين الأعلى والأدنى يتجاوز 28 نقطة. وهو رقم لا يمكن قراءته كتفصيل تربوي، بل كمؤشر على فجوة أوسع من المدرسة نفسها.
عندما لا تكون المدرسة وحدها في الامتحان
في الحديث مع مختصين في الشأن التربوي والاجتماعي، يتكرر نفس المعنى تقريبًا: لا يمكن فهم نتائج الباكالوريا خارج محيطها الاجتماعي والاقتصادي.
في الداخل، تتراكم صعوبات يعرفها الجميع: ضعف البنية التحتية، مشاكل النقل، ضغط اقتصادي على العائلات، ومسارات دراسية كثيرًا ما تُقطع مبكرًا بسبب الحاجة أو غياب الأفق. في مثل هذا السياق، تصبح المدرسة جزءًا من واقع أثقل منها، لا فاعلاً مستقلاً عنه.
تفاصيل صغيرة تصنع فرقًا كبيرًا
قد يبدو الحديث عن الماء الصالح للشراب بعيدًا عن الامتحانات، لكن الأرقام تقول شيئًا آخر. فبينما يتجاوز المعدل الوطني في النفاذ إلى الماء 95%، تبقى بعض الولايات في مستويات أقل بكثير، مثل القصرين والقيروان وجندوبة وسليانة.
هذه التفاصيل، التي قد تبدو تقنية أو خدمية، تنعكس في النهاية على حياة التلميذ اليومية: على استقراره، على حضوره، وعلى قدرته على مواصلة الدراسة في ظروف طبيعية حسب الوسلاتي .
الانقطاع المدرسي… رقم ثقيل في الخلفية
خلف نسب النجاح، هناك رقم آخر لا يقل أهمية: نحو 91 ألف تلميذ غادروا مقاعد الدراسة خلال سنة واحدة فقط.
هذا المعطى يوضح أن المشكلة لا تتعلق فقط بمن ينجح أو يرسب، بل بمن لم يعد أصلًا في المعادلة. وغالبًا ما يكون هؤلاء من نفس الجهات التي تسجل أضعف النتائج.
الأساتذة… حين يتحول الاستقرار إلى امتياز
جانب آخر لا يُناقش كثيرًا يتعلق بالإطار التربوي نفسه. في عدد من مناطق الداخل، يبدأ العديد من الأساتذة مسارهم المهني هناك، لكنهم سرعان ما يسعون إلى الانتقال نحو المدن الساحلية.
هذا التنقل المستمر يخلق نوعًا من عدم الاستقرار داخل المؤسسات التعليمية، حيث يتغير الإطار التربوي باستمرار، وتفقد المدرسة شيئًا من تراكم الخبرة والمتابعة الطويلة.
في المقابل، تتمتع بعض مؤسسات الساحل بقدر أكبر من الاستقرار، وهو ما ينعكس بشكل غير مباشر على النتائج.
ليست أرقامًا فقط
في النهاية،يقول ابراهيم الوسلاتي لا تبدو الباكالوريا هنا مجرد امتحان وطني موحد، بل أشبه بمرآة كبيرة تعكس ما يحدث خارج أسوار المدرسة. فهو لا يصنع الفوارق، لكنه يكشفها بوضوح، وربما بحدة أكبر مما نرغب في رؤيته.
النتائج تقول شيئًا بسيطًا ومعقدًا في الوقت نفسه: ما زالت خريطة الفرص في تونس غير متوازنة، وما زال مكان الولادة يلعب دورًا في رسم مستقبل التلميذ، قبل أي جهد فردي أو مسار دراسي



