رغم استمرار ارتباط الشباب التونسي بفكرة تكوين أسرة، تكشف نتائج تقرير « حالة سكان العالم 2026 » الذي أعده صندوق الأمم المتحدة للسكان أن الطموحات الأسرية تصطدم بشكل متزايد بعوائق اقتصادية واجتماعية، في مقدمتها صعوبة توفير السكن والاستقرار المالي.
فوفق المعطيات التي قدمها صندوق الأمم المتحدة للسكان في تونس، فإن 36.7 بالمائة من الشباب المشاركين في الدراسة عبروا عن رغبتهم في الزواج أو العيش المشترك، وهو ما يؤكد، حسب القائمين على التقرير، أن العزوف عن الزواج ليس بالضرورة رفضا لفكرة الأسرة، بل يرتبط أساسا بظروف مادية تحد من تحقيق هذه الرغبة.
وقالت رئيسة مكتب صندوق الأمم المتحدة للسكان في تونس ريم فيالة إن أغلب الشباب لا يرفضون تكوين أسرة، لكنهم يواجهون صعوبات مرتبطة بالقدرة على تحمل تكاليف الحياة، خاصة السكن والاستقرار المهني.
وبيّن المسح أن 28 بالمائة من المستجوبين اعتبروا القيود الاقتصادية والسكنية أكبر عائق أمام بناء شراكة مستقرة والزواج، في حين رأى 23.5 بالمائة أن غياب الشريك المناسب يمثل أحد أبرز الحواجز أمام تحقيق هذا الهدف.
وتأتي هذه النتائج في سياق اقتصادي واجتماعي يشهد فيه الشباب التونسي صعوبات متزايدة في الانتقال إلى مرحلة الاستقلال المادي، سواء بسبب صعوبة النفاذ إلى سوق الشغل أو ارتفاع كلفة السكن، وهي عوامل تؤثر بشكل مباشر على قرارات الزواج وتكوين الأسرة.
ورغم هذه التحديات، أظهر التقرير أن نظرة الشباب التونسي للمستقبل ليست سلبية بالكامل، إذ عبّر 58 بالمائة من المستجوبين عن تفاؤلهم تجاه السنوات القادمة، مقابل استمرار مخاوف واسعة مرتبطة بالأوضاع الاقتصادية والأمنية والصحية والبيئية.
وشملت الدراسة التي أنجزها صندوق الأمم المتحدة للسكان 870 شابا وشابة في تونس، بينهم 630 ذكرا و240 أنثى، ضمن مسح دولي شارك فيه نحو 109 آلاف شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و39 سنة في 73 دولة.
وعالميا، أظهر التقرير أن ثلثي الشباب تقريبا ينظرون بإيجابية إلى المستقبل، غير أن المخاوف تختلف حسب المناطق، حيث تصدرت التهديدات الأمنية قائمة القلق بنسبة 53.3 بالمائة، تلتها التحديات الاقتصادية بنسبة 49.9 بالمائة، ثم المخاطر الصحية والبيئية بنسبة 41.4 بالمائة.
وفي ما يتعلق بالإنجاب، أوضح التقرير أن النموذج الأسري الأكثر تفضيلا لدى غالبية الشباب في العالم والدول العربية يتمثل في إنجاب طفلين، بينما ترتفع الرغبة في تكوين أسر أكبر في بعض دول غرب ووسط أفريقيا.
وأكد صندوق الأمم المتحدة للسكان أن فهم تطلعات الشباب، سواء في ما يتعلق بالعمل أو الزواج أو الإنجاب، يهدف إلى مساعدة الحكومات على تطوير سياسات عمومية أكثر استجابة لانتظارات هذه الفئة، عبر الاستثمار في قدراتها وتعزيز مشاركتها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
ويبقى السؤال الذي تطرحه أرقام التقرير في تونس: هل تراجع الزواج لدى الشباب هو تغير في القيم والرغبات، أم أنه نتيجة مباشرة لضغوط اقتصادية جعلت تكوين الأسرة مؤجلا إلى إشعار آخر؟
