الرئيسية أخبار تونس نواب لم يقرأوا دستور البلاد؟.. الحكومة ليست مسؤولة أمام البرلمان

نواب لم يقرأوا دستور البلاد؟.. الحكومة ليست مسؤولة أمام البرلمان

0
76
رئيسة الحكومة سارة الزعفراني
رئيسة الحكومة سارة الزعفراني

أثارت الجلسة العامة التي عقدها مجلس نواب الشعب، اليوم الاثنين 27 جويلية 2026، لمناقشة أزمة الانقطاعات المتكررة للكهرباء والمياه، جدلاً سياسياً ودستورياً، ليس فقط بسبب غياب الحكومة، وإنما أيضاً بسبب طبيعة العلاقة التي تحكم البرلمان بالسلطة التنفيذية في ظل دستور 2022.

فقد عبّر عدد من النواب عن استيائهم من عدم حضور رئيسة الحكومة أو أحد أعضاء فريقها، واعتبروا أن غياب السلطة التنفيذية أفرغ الجلسة من محتواها، فيما أعلن بعضهم مقاطعتها احتجاجاً على ما وصفوه بعدم احترام حق البرلمان في مساءلة الحكومة.

لكن وراء هذا الجدل سؤالاً أكثر أهمية: هل ما زال البرلمان يملك تجاه الحكومة نفس سلطة المساءلة والمسؤولية السياسية التي كانت قائمة في دستور 2014؟

هنا تبدأ الحكاية من دستور 2022.

دستور 2022 غيّر قواعد اللعبة

أحدث دستور 2022 تغييراً واضحاً في طبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. فالفصل 112 ينص صراحة على أن «الحكومة مسؤولة عن تصرفها أمام رئيس الجمهورية».

وهذه العبارة ليست تفصيلاً لغوياً. فهي تعكس تحولاً أساسياً عن النظام الذي كان قائماً في دستور 2014، حين كانت الحكومة تستمد ثقتها من البرلمان، وكانت علاقتها بمجلس نواب الشعب تقوم على مسؤولية سياسية مباشرة وآليات أقوى لسحب الثقة.

أما في دستور 2022، فلم تعد الحكومة مطالبة بالحصول على ثقة مجلس نواب الشعب عند تشكيلها، ولم يعد المجلس منفرداً يملك الآلية العادية لسحب الثقة منها.

لكن هذا لا يعني، في المقابل، أن الحكومة أصبحت خارج رقابة البرلمان.

وهنا تحديداً يجب التمييز بين الرقابة البرلمانية والمسؤولية السياسية للحكومة أمام البرلمان.

رقابة برلمانية.. ولكن ليست كرقابة دستور 2014

الفصل 114 واضح في منح مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم صلاحيات رقابية على الحكومة، من خلال الأسئلة ودعوة الحكومة أو أحد أعضائها للحوار حول السياسة التي تم اتباعها والنتائج التي تحققت أو يجري العمل على تحقيقها.

وبالتالي لا يمكن القول إن البرلمان فقد حقه في مراقبة الحكومة أو مناقشة سياساتها.

لكن الرقابة البرلمانية لا تعني بالضرورة أن الحكومة أصبحت مسؤولة سياسياً أمام البرلمان بالطريقة نفسها التي كانت قائمة في دستور 2014.

وهذا هو الفارق الذي يبدو أنه غاب عن جانب من النقاش الذي رافق جلسة اليوم.

فالبرلمان يستطيع أن يسأل الحكومة ويناقشها ويحاورها، لكن مركز المسؤولية السياسية الأساسية للحكومة، وفق الفصل 112، أصبح لدى رئيس الجمهورية.

وماذا عن لائحة اللوم؟

هنا يأتي الفصل 115، وهو فصل مهم لا يمكن تجاهله في قراءة العلاقة الجديدة بين الحكومة والبرلمان.

فالدستور يمنح مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم مجتمعين إمكانية معارضة الحكومة في مواصلة تحمل مسؤولياتها عن طريق لائحة لوم، إذا تبين لهما أنها تخالف السياسة العامة للدولة والاختيارات الأساسية المنصوص عليها بالدستور.

لكن هذه الآلية لا تعيدنا إلى نظام دستور 2014.

فهي ليست سحباً عادياً للثقة من الحكومة من قبل مجلس نواب الشعب، وإنما آلية دستورية استثنائية، مشتركة بين المجلسين، وتخضع لشروط وأغلبية محددة.

وهذا التفصيل مهم جداً، لأنه يؤكد أن دستور 2022 لم يجعل الحكومة رهينة الأغلبية البرلمانية بالطريقة التي كانت عليها في النظام السابق.

بعبارة أخرى: البرلمان يملك رقابة، ويملك حتى في حالات محددة آلية للاعتراض على مواصلة الحكومة تحمل مسؤولياتها، لكنه لا يمارس تجاهها نفس المسؤولية السياسية اليومية التي كانت قائمة في دستور 2014.

هل كان حضور الحكومة إلزامياً؟

هنا أيضاً ينبغي عدم الخلط بين أمرين.

الفصل 114 يمنح المجلس حق دعوة الحكومة أو أحد أعضائها للحوار، وبالتالي فإن للبرلمان سنداً دستورياً في طلب حضور الحكومة ومناقشة سياساتها ونتائجها.

بل إن النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب ينص صراحة على تخصيص جلسات دورية للحوار مع الحكومة أو أحد أعضائها، ويضبط طريقة تنظيم هذه الجلسات. كما ينظم بشكل مستقل الجلسة المشتركة المتعلقة بلائحة اللوم.

لكن هل يعني ذلك أن كل غياب للحكومة عن جلسة عامة يمثل تلقائياً مخالفة دستورية؟

هنا ينبغي التريث.

فالنص الدستوري يمنح البرلمان حق الدعوة إلى الحوار، لكنه لا يقول صراحة إن كل غياب حكومي عن جلسة من هذا النوع يساوي، بمجرده، مخالفة دستورية أو يرتب جزاءً دستورياً.

وهذا فارق مهم في النقاش.

لذلك فإن انتقاد الحكومة سياسياً بسبب غيابها عن جلسة خصصت لأزمة الكهرباء والماء أمر مفهوم ومشروع، لكن تحويل الغياب مباشرة إلى خرق دستوري يحتاج إلى سند قانوني وإجرائي أكثر تحديداً.

احتجاجات النواب.. صحيحة سياسياً أم ملتبسة دستورياً؟

رئيس كتلة «الخط الوطني السيادي» عبد الرزاق عويدات احتج على غياب الحكومة، معتبراً أنها قصّرت في مخاطبة الشعب وتوضيح أسباب الأزمة.

كما أعلنت النائبة سيرين مرابط امتناعها عن التدخل، معتبرة أن مداخلتها ستكون بلا جدوى في غياب رئيسة الحكومة، وهو الموقف ذاته الذي تبناه النائبان حليم بوسمة ومحمد أمين الورغي اللذان قاطعا الجلسة.

من حق هؤلاء النواب سياسياً أن يحتجوا على غياب الحكومة، خصوصاً أن الأمر يتعلق بأزمة كهرباء وماء عاشها التونسيون بشكل مباشر خلال الأيام الماضية.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتم تقديم هذا الاحتجاج وكأن دستور 2022 أبقى العلاقة بين البرلمان والحكومة على الصورة نفسها التي كانت عليها في دستور 2014.

فذلك ببساطة ليس ما يقوله النص الدستوري.

أزمة فهم أم أزمة نظام؟

ما كشفته جلسة اليوم ربما يتجاوز مسألة حضور الحكومة أو غيابها.

فهي أعادت إلى الواجهة سؤالاً أكبر: هل ما زالت بعض الممارسات والخطابات السياسية في تونس تتحرك بمنطق دستور 2014، بينما تغير الإطار الدستوري منذ 2022؟

دستور 2022 لم يُلغ الرقابة البرلمانية على الحكومة، وهذا أمر واضح في الفصل 114.

لكنه غيّر طبيعة المسؤولية السياسية للحكومة، فجعلها، وفق الفصل 112، مسؤولة عن تصرفها أمام رئيس الجمهورية، مع الإبقاء على أدوات رقابية برلمانية، بينها الحوار والأسئلة، فضلاً عن آلية لائحة اللوم المشتركة التي نص عليها الفصل 115.

وهكذا فإن المعادلة الجديدة ليست:

حكومة بلا رقابة برلمانية.

وليست أيضاً:

حكومة مسؤولة أمام البرلمان كما كانت في دستور 2014.

بل هي صيغة مختلفة تماماً:

رقابة برلمانية موجودة، ومسؤولية سياسية أساسية أمام رئيس الجمهورية، مع آلية استثنائية ومشروطة لمعارضة مواصلة الحكومة تحمل مسؤولياتها.

ومن هنا فإن جلسة 27 جويلية 2026 تطرح مفارقة لافتة: البرلمان يملك حق مناقشة أزمة وطنية كبرى، ويملك أدوات دستورية للحوار مع الحكومة ومراقبة سياساتها، لكن طبيعة هذه الرقابة لم تعد هي نفسها التي عرفتها تونس في ظل دستور 2014.

أما السؤال السياسي الذي يبقى مفتوحاً فهو أبسط وأكثر مباشرة:

حتى لو لم تعد الحكومة مسؤولة أمام البرلمان بالطريقة القديمة، ألا يفترض أن تحضر أمام نواب الشعب عندما تكون البلاد أمام أزمة تمس الكهرباء والماء وحياة المواطنين؟