الرئيسية أخبار تونس حمدي حشاد: حرارة صائفة 2026 لم تعد أزمة مناخية فقط.. إنها فاتورة...

حمدي حشاد: حرارة صائفة 2026 لم تعد أزمة مناخية فقط.. إنها فاتورة اقتصادية مفتوحة

0
35
blank

لم تعد موجات الحر في صائفة 2026 مجرد ظاهرة مناخية استثنائية، بل بدأت تكشف عن وجه آخر للأزمة: الكلفة الاقتصادية المتصاعدة للحرارة.

هذا ما حذّر منه الخبير حمدي حشاد، معتبراً أن صائفة 2026 كانت بمثابة «إنذار اقتصادي قبل أن تكون إنذاراً مناخياً»، إذ باتت كل موجة حر تترجم، وفق تقديره، إلى فاتورة إضافية تتحملها الدولة والمؤسسات والمواطن.

وأوضح حشاد أن ارتفاع درجات الحرارة لا يقتصر تأثيره على الطقس، بل يمتد إلى قطاعات حيوية عدة، من خلال تراجع الإنتاجية، وارتفاع استهلاك الكهرباء، وتضرر المحاصيل الزراعية، واندلاع حرائق الغابات، وارتفاع الضغط على المؤسسات الصحية، فضلاً عن التكاليف الإضافية التي تفرضها الحرارة على الاقتصاد.

مليارات تتبخر مع ارتفاع الحرارة

ويشير حشاد إلى أن المؤشرات الأولية المتوفرة في أوروبا تعطي فكرة عن حجم هذه الكلفة. فقد أظهرت تقديرات وتحاليل أولية، وفق المعطيات التي أوردها، أن موجة الحر خلال شهر جوان تسببت في خسائر كبيرة في إنتاج القمح، فيما سجلت فرنسا خلال موجة الحر الممتدة من 17 جوان إلى 2 جويلية آلاف الوفيات الإضافية.

غير أن هذه الأرقام، بحسب الخبير، لا تمثل سوى جزء من الصورة، لأن الكلفة الحقيقية للحرارة تتوزع على قطاعات مختلفة يصعب أحياناً قياسها مباشرة.

ومن أبرز هذه الكلف خسائر الإنتاجية.

وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن الإجهاد الحراري يمكن أن يؤدي، في أفق 2030، إلى فقدان ما يعادل 80 مليون وظيفة بدوام كامل على المستوى العالمي، بسبب تراجع عدد ساعات العمل والإنتاجية. كما قدرت المنظمة أن الحرارة المرتفعة قد تتسبب في فقدان 2.2% من إجمالي ساعات العمل عالمياً، مع تعرض قطاعات مثل الفلاحة والبناء بشكل خاص لهذه المخاطر.

وبالنسبة إلى البلدان التي تشهد درجات حرارة مرتفعة، فإن المشكلة لا تقتصر على توقف بعض الأنشطة أو تقليص ساعات العمل، بل تمتد إلى إعادة تنظيم توقيت العمل وتغيير ظروف الإنتاج، وهو ما يعني في النهاية خسائر اقتصادية مباشرة وغير مباشرة.

الكهرباء.. الوجه الأكثر وضوحاً للفـاتورة

وفي تونس، برزت العلاقة بين الحرارة والاقتصاد بشكل واضح من خلال الضغط القياسي على شبكة الكهرباء خلال صائفة 2026.

فكلما ارتفعت درجات الحرارة، ارتفع اللجوء إلى أجهزة التكييف والتبريد، وهو ما يرفع بدوره الطلب على الكهرباء، خصوصاً عندما تتواصل الحرارة ليلاً ولا تتمكن المباني من التخلص من الحرارة المتراكمة.

ويقول حشاد إن الطلب على الكهرباء في تونس ارتفع خلال صائفة 2026 إلى مستويات تقارب 6000 ميغاواط، مقارنة بنحو 5000 ميغاواط، وهو ما وضع الشبكة أمام ضغط استثنائي.

وهنا لا تتوقف الكلفة عند حجم الكهرباء المستهلكة، بل تشمل أيضاً تكلفة تشغيل محطات الإنتاج، وضغط شبكات النقل والتوزيع، والأعطاب المحتملة، والخسائر التي تتحملها المؤسسات والمصانع والمحلات التجارية والمواطنون عندما تؤدي الاختلالات إلى انقطاع التيار الكهربائي.

أين فاتورة صائفة 2026 في تونس؟

لكن المفارقة، وفق حشاد، أن تونس لا تملك حتى الآن رقماً رسمياً شاملاً يجيب عن سؤال بسيط: كم كلفت صائفة 2026 الاقتصاد التونسي؟

فلا توجد، إلى حد الآن، حصيلة موحدة للخسائر الناتجة عن انقطاعات الكهرباء، ولا تقدير شامل لتراجع الإنتاجية بسبب الحرارة، ولا تقييم اقتصادي نهائي لخسائر الحرائق والغابات والمحاصيل، ولا حساب للكلفة الصحية، ولا حتى تقدير للقيمة الاقتصادية لساعات العمل التي ضاعت بسبب ارتفاع درجات الحرارة.

وهذه الفجوة في الأرقام تجعل حجم الأزمة الاقتصادية الحقيقية غير واضح.

فخسارة مؤسسة بسبب توقف نشاطها خلال ساعات انقطاع الكهرباء، أو تراجع إنتاج عامل بسبب الحرارة، أو تلف محصول زراعي، أو ارتفاع استهلاك الطاقة، أو ارتفاع الضغط على المستشفيات، كلها خسائر حقيقية، لكنها لا تظهر بالضرورة في مؤشر واحد يمكن أن يقال من خلاله: «هذه هي فاتورة موجة الحر».

من أزمة مناخية إلى أزمة اقتصادية

ويرى حشاد أن الخطر الحقيقي يتمثل في أن ما حدث خلال صائفة 2026 قد لا يكون حادثاً استثنائياً، وإنما مؤشراً على مرحلة جديدة سيكون فيها ارتفاع الحرارة عاملاً اقتصادياً يجب احتسابه مسبقاً.

فكل درجة إضافية لا تعني بالضرورة ارتفاعاً في حرارة الطقس فقط، بل قد تعني استهلاكاً أكبر للكهرباء، وإنتاجية أقل، وضغطاً إضافياً على البنية التحتية، ومصاريف صحية أكبر، ومخاطر أعلى على الفلاحة والغابات، وكلفة أكبر على الدولة والمؤسسات والأسر.

وبذلك، فإن السؤال لم يعد فقط: إلى أي مستوى سترتفع درجات الحرارة؟

بل أصبح أيضاً: كم ستكلفنا كل درجة إضافية؟

وربما لن يتضح الحجم الحقيقي لفاتورة صائفة 2026 إلا بعد سنوات، عندما تتوفر الأرقام المتعلقة بالإنتاج، والطاقة، والصحة، والفلاحة، والحرائق والإنتاجية.

عندها قد نكتشف أن صائفة 2026 لم تكن مجرد صائفة شديدة الحرارة، بل كانت بداية مرحلة اقتصادية جديدة، تصبح فيها الحرارة بنداً يجب احتسابه في ميزانية الدولة، وفي حسابات المؤسسات، وفي مصاريف الأسر.

وكما يلخص حمدي حشاد فكرته: «الأزمة ما كانتش في الترمومتر… كانت في الفاتورة اللي ما حسبها حتى حد.»