بينما تتنافس دول العالم على استقطاب الوظائف الرقمية والعاملين عن بُعد، ظلت تونس لسنوات تفتقر إلى إطار قانوني واضح ينظم هذا النمط من التشغيل، رغم امتلاكها آلاف الكفاءات في مجالات البرمجة والهندسة والخدمات الرقمية وإتقان اللغات الأجنبية. واليوم، يبدو أن الحكومة تستعد لتدارك هذا التأخر عبر مشروع قانون جديد لتنظيم العمل عن بُعد في القطاع الخاص، في خطوة قد تفتح الباب أمام سوق شغل جديدة إذا اقترنت بإصلاحات مرافقة.
وكشف وزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر، خلال افتتاح المؤتمر العربي للتقاعد والتأمينات الاجتماعية 2026، عن قرب استكمال مشروع قانون لتنظيم العمل عن بُعد، إلى جانب مشروع ثانٍ خاص باقتصاد المنصات، في إطار مواكبة التحولات التي يشهدها سوق الشغل وتعزيز الحماية الاجتماعية للعاملين في هذه الأنماط المستحدثة.
سنوات من الفرص الضائعة
ورغم الطفرة العالمية التي عرفها العمل عن بُعد منذ جائحة « كوفيد-19″، لم تتمكن تونس من استثمار هذه الموجة بالشكل المطلوب.
ففي الوقت الذي سارعت فيه دول عديدة إلى تعديل تشريعاتها لاستقطاب الشركات العالمية والموظفين الرقميين، بقيت تونس دون قانون ينظم العلاقة بين العامل وصاحب العمل، أو يحدد الحقوق والواجبات، أو يدمج هؤلاء العاملين ضمن منظومة الضمان الاجتماعي.
ويعتبر خبراء الاقتصاد أن هذا الفراغ القانوني حرم آلاف التونسيين من فرص عمل مع شركات أجنبية، كما دفع عددا كبيرا من العاملين لحساب منصات دولية إلى الاشتغال خارج أي إطار قانوني أو اجتماعي.
سوق عالمية بمليارات الدولارات
أصبح العمل عن بُعد أحد أسرع أسواق التشغيل نموا في العالم، إذ تعتمد شركات التكنولوجيا والخدمات المالية والتسويق الرقمي وخدمة الحرفاء على توظيف الكفاءات أينما وجدت، دون الحاجة إلى انتقالها إلى مقر الشركة.
وبالنسبة لتونس، فإن هذه السوق تمثل فرصة استثنائية، بالنظر إلى:
- توفر كفاءات جامعية عالية.
- فروقات الأجور التي تجعل اليد العاملة التونسية تنافسية.
- الموقع الزمني المناسب للعمل مع أوروبا.
- الانتشار الواسع للغات الأجنبية خاصة الفرنسية والإنقليزية.
مكاسب اقتصادية منتظرة
إذا نجح القانون الجديد في توفير إطار قانوني واضح، فقد يحقق عدة مكاسب، من بينها:
- استقطاب شركات أجنبية لتوظيف تونسيين عن بُعد.
- الحد من هجرة الكفاءات عبر تمكينها من العمل مع الخارج دون مغادرة البلاد.
- إدخال العمل الرقمي ضمن المنظومة الجبائية والاجتماعية.
- توسيع قاعدة المنخرطين في الصناديق الاجتماعية.
- تنشيط الاقتصاد الرقمي وزيادة مداخيل العملة الصعبة.
الحماية الاجتماعية… الحلقة المفقودة
أكد وزير الشؤون الاجتماعية أن الهدف لا يقتصر على تنظيم العمل عن بُعد، بل يشمل أيضا إدماج العاملين في اقتصاد المنصات ضمن منظومة الحماية الاجتماعية.
ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة، إذ يعمل آلاف التونسيين حاليا عبر منصات رقمية أو يقدمون خدمات لحرفاء في الخارج دون تغطية اجتماعية أو تقاعد أو تأمين ضد حوادث الشغل.
تحديات التنفيذ
ورغم أهمية المبادرة، فإن نجاحها سيظل مرتبطا بجملة من الإصلاحات، أبرزها:
- توفير تعريف قانوني دقيق للعمل عن بُعد.
- تحديد مسؤوليات صاحب العمل في ما يتعلق بمعدات العمل والسلامة المهنية.
- تنظيم ساعات العمل والحق في الانفصال الرقمي.
- وضع آليات واضحة لاستخلاص المساهمات الاجتماعية.
- معالجة الجوانب الجبائية للعاملين مع شركات أجنبية.
إصلاح يتجاوز القانون
إعلان الحكومة يأتي أيضا ضمن إصلاح أشمل لمنظومة الضمان الاجتماعي، التي تواجه ضغوطا متزايدة بسبب العجز المالي والتغيرات الديمغرافية.
وأكد الوزير أن الإصلاح المرتقب لن يقوم فقط على تحقيق توازنات مالية، بل على بناء منظومة تحقق العدالة الاجتماعية وتوسع التغطية لتشمل العاملين في القطاع غير المنظم وأصحاب أنماط التشغيل الجديدة.
هل تأخرت تونس؟
يرى متابعون أن تونس تدخل هذا المجال بعد سنوات من التأخير، في وقت أصبحت فيه المنافسة الإقليمية والدولية أكثر شراسة. إلا أن إصدار إطار قانوني حديث قد يشكل نقطة انطلاق لإعادة تموقع البلاد في الاقتصاد الرقمي العالمي، خاصة إذا ترافق مع تحسين البنية التحتية للإنترنت، وتبسيط الإجراءات الجبائية، وتوفير بيئة تشريعية مرنة وجاذبة للمستثمرين.
وبذلك، قد يتحول العمل عن بُعد من فرصة مهدورة إلى أحد أهم محركات النمو والتشغيل خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل ارتفاع الطلب العالمي على الكفاءات الرقمية وتغير طبيعة سوق العمل.
