كشفت تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» بشأن إنتاج القمح في الدول العربية لعام 2026 عن تفاوت كبير بين الدول، مع تصدر مصر القائمة بفارق واسع، فيما جاءت تونس في المرتبة الخامسة بإنتاج يقدّر بنحو 1.4 مليون طن.
وبحسب ما عرضه المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري، تبلغ تقديرات إنتاج القمح في مصر خلال عام 2026 نحو 10.2 ملايين طن، لتحتل بذلك المرتبة الأولى عربيا، تليها كل من المغرب والعراق بنحو 5 ملايين طن لكل منهما، ثم الجزائر بحوالي 3.5 ملايين طن، بينما تأتي تونس في المرتبة الخامسة بنحو 1.4 مليون طن، تليها السعودية بنحو 1.1 مليون طن.
كم تحتاج تونس من القمح سنويا؟
تكشف مقارنة الإنتاج بالاستهلاك أن تونس لا تزال بعيدة عن تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح.
وتقدّر وزارة الزراعة الأمريكية حاجيات تونس من القمح في موسم 2025-2026 بنحو 2.99 مليون طن سنويا، مقابل إنتاج متوقع في حدود 1.35 مليون طن، وهو ما يعني أن الإنتاج المحلي يغطي حوالي 45% فقط من الاستهلاك، بينما تحتاج البلاد إلى توريد ما يقارب 55% من حاجياتها من القمح.
أما منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، فقد قدرت في تقريرها عن تونس أن الإنتاج المحلي من القمح يغطي نحو 60% من الحاجيات السنوية، مع توقع حاجيات توريد في حدود مليوني طن خلال موسم 2025-2026. ويعكس اختلاف النسب اختلاف الفترة والمنهجية المعتمدة في احتساب الإنتاج والاستهلاك، لكنه لا يغير الخلاصة الأساسية: تونس لم تحقق الاكتفاء الذاتي من القمح ولا تزال تعتمد بصورة مهمة على الأسواق الخارجية.
ماذا يعني إنتاج 1.4 مليون طن لتونس؟
إذا اعتمدنا تقدير الحاجة السنوية البالغ قرابة 3 ملايين طن، فإن إنتاجا في حدود 1.4 مليون طن يعني أن تونس تغطي أقل من نصف حاجياتها من القمح.
وبعبارة أخرى، تحتاج البلاد إلى استيراد أكثر من 1.5 مليون طن لتغطية الفارق، مع اختلاف الكميات الفعلية من موسم إلى آخر تبعا لحجم المحصول المحلي والأسعار العالمية ومستوى المخزون.
وتزداد أهمية هذه الأرقام عند التمييز بين القمح الصلب والقمح اللين. فتونس تتمتع بقدرة أفضل نسبيا على إنتاج القمح الصلب، بينما تظل أكثر اعتمادا على التوريد بالنسبة إلى القمح اللين المستخدم أساسا في صناعة الخبز.
وتشير معطيات منشورة في تونس إلى أن البلاد تستهلك نحو 1.2 مليون طن من القمح اللين سنويا، وأن حوالي 95% من حاجياتها من هذه المادة يتم توفيرها عبر التوريد.
وهل اقتربت تونس فعلا من الاكتفاء الذاتي؟
رغم تحسن الإنتاج في المواسم الأخيرة، فإن الإجابة هي لا، تونس لم تقترب بعد من الاكتفاء الذاتي الكامل من القمح.
فالبلاد سجلت تحسنا مهما في إنتاج الحبوب، إذ قدرت منظمة الأغذية والزراعة إنتاج الحبوب في 2025 بنحو 1.7 مليون طن، أي أعلى بحوالي 18% من متوسط السنوات الخمس السابقة، بفضل تحسن الظروف المناخية خلال النصف الثاني من الموسم. ومع ذلك، ظل الإنتاج المحلي غير كاف لتغطية الطلب الداخلي على القمح.
كما أن وزارة الزراعة الأمريكية تقدر إنتاج القمح التونسي في موسم 2026-2027 بنحو 1.2 مليون طن مقابل واردات في حدود 1.85 مليون طن، وهو ما يؤكد استمرار الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.
تونس أمام فجوة تتجاوز مليون طن
الأرقام تضع المسألة في إطار أكثر وضوحا: تونس تنتج نحو 1.4 مليون طن من القمح، في حين تدور حاجياتها السنوية حول 3 ملايين طن وفق تقديرات دولية حديثة.
وبالتالي، فإن تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل يتطلب رفع الإنتاج المحلي بأكثر من 1.5 مليون طن إضافية قياسا إلى تقدير الطلب الحالي، وهو تحد كبير في ظل محدودية الأراضي الصالحة للزراعة وتذبذب الأمطار وارتفاع درجات الحرارة وتواتر سنوات الجفاف.
ولا يتعلق التحدي فقط بتوسيع المساحات المزروعة، بل أيضا برفع مردودية الهكتار، وتطوير أصناف أكثر مقاومة للجفاف والحرارة، وتحسين استعمال المياه والأسمدة، إضافة إلى تطوير التخزين والتجميع وتقليص ضياع المحاصيل.
المفارقة التونسية
وتبرز المفارقة في أن تونس تعد من البلدان العربية ذات الاستهلاك المرتفع للحبوب، لكنها لا تزال تعتمد على الخارج لتأمين جزء كبير من احتياجاتها.
وفي المقابل، تظهر تجربة دول عربية أخرى، مثل مصر والمغرب والجزائر، أن توسيع المساحات وتحسين الإنتاجية واعتماد أصناف أكثر ملاءمة للظروف المناخية يمكن أن يدفع بالإنتاج إلى مستويات أعلى.
وتكشف تقديرات «الفاو» لعام 2026 أن إنتاج تونس البالغ نحو 1.4 مليون طن يضعها في المرتبة الخامسة عربيا، لكنه لا يعني بأي حال بلوغ الاكتفاء الذاتي.
الخلاصة: تونس تنتج حاليا أقل من حاجياتها السنوية من القمح بفارق كبير، ولذلك فإن الحديث عن الاكتفاء الذاتي يظل هدفا استراتيجيا أكثر منه واقعا قائما. والرهان الحقيقي خلال السنوات المقبلة لن يكون فقط على زيادة المساحات، وإنما على رفع إنتاجية الهكتار والتكيف مع التغيرات المناخية وتقليص الاعتماد على توريد القمح اللين.
