قبل يومين فقط من 25 أوت 2026، التاريخ الذي يصادف مرور سنتين على التحوير الحكومي الواسع الذي أجراه رئيس الجمهورية قيس سعيّد في 25 أوت 2024، أطلق الرئيس خلال جولته في عدد من مناطق القيروان وسوسة والمهدية عبارات أعادت فرضية التحوير الحكومي إلى الواجهة، لكن هذه المرة مع زاوية قانونية ومالية تستحق التوقف.
فخلال حديثه مع المواطنين، قال سعيّد إن «الذي يهاب المسؤولية أو يتربص أو من ينتظر، فمؤسسات الدولة لا هي قاعة انتظار ولا هي عمليات محاسبية»، قبل أن يضيف أن «الوحدات المحاسبية عند الشعب هي الشغل والحرية والكرامة الوطنية»، وأن الحسابات والامتيازات ليست ما ينبغي أن يحكم عمل مؤسسات الدولة.
قد تبدو العبارة، للوهلة الأولى، جزءا من الخطاب السياسي المعتاد لرئيس الجمهورية حول المسؤولية والمحاسبة، غير أن توقيتها يجعلها قابلة لقراءة أخرى.
فبعد غد، 25 أوت 2026، يكون الوزراء الذين عُيّنوا في تحوير 25 أوت 2024 واستمروا في مهامهم دون انقطاع قد أتموا سنتين كاملتين في مناصبهم.
وهذه المدة بالذات ليست مجرد محطة زمنية بالنسبة إلى أعضاء الحكومة، بل ترتبط بحق قانوني يتعلق بالتقاعد.
سنتان تفتحان حقا في جراية التقاعد
ينص القانون عدد 31 لسنة 1983 المؤرخ في 17 مارس 1983 والمتعلق بنظام تقاعد أعضاء الحكومة على أن عضو الحكومة الذي يقضي سنتين كاملتين على الأقل في مهامه يكتسب الحق في الانتفاع بجراية تقاعد.
وتُحتسب الجراية بنسبة أساسية تبلغ 35 بالمائة من مرتب المباشرة الذي يتقاضاه عضو الحكومة عند بداية التمتع بالتقاعد، مع الترفيع في النسبة بـ5 بالمائة عن كل ستة أشهر إضافية يقضيها في مهامه بعد السنتين، مع الخضوع للسقف الأقصى الذي يحدده نظام تقاعد موظفي الدولة.
كما لا تُحتسب الفترات التي تقل عن ستة أشهر عند ضبط جراية التقاعد.
وهنا تكمن أهمية تاريخ 25 أوت 2026 بالنسبة إلى الوزراء الذين حافظوا على مواقعهم منذ تحوير 25 أوت 2024.
فإتمام سنتين من المهام يجعلهم، من حيث المبدأ، مستوفين للمدة الدنيا التي يحددها القانون لاكتساب هذا الحق.
لكن من الضروري التأكيد أن بلوغ السنتين لا يعني التقاعد الآلي للوزير ولا يفرض إنهاء مهامه، وإنما يفتح له حقا قانونيا في جراية التقاعد وفقا للشروط المحددة في القانون.
فماذا قصد سعيّد بـ«العمليات المحاسبية»؟
هنا تحديدا تصبح عبارة رئيس الجمهورية محل اهتمام.
سعيّد لم يقل فقط إن مؤسسات الدولة ليست «قاعة انتظار»، بل أضاف مباشرة أنها ليست «عمليات محاسبية»، ثم تحدث عن أشخاص «لا همّ لهم سوى الحسابات أو الامتيازات».
ومن الصعب تجاهل التزامن بين هذه العبارات وبين بلوغ عدد من أعضاء الحكومة بعد غد عتبة السنتين.
هل كان رئيس الجمهورية يلمح إلى حسابات مرتبطة بالمناصب والامتيازات والحقوق التي يكتسبها الوزراء بعد إتمام مدة معينة؟
لا يمكن الجزم بذلك.
لكن من المشروع، سياسيا وإعلاميا، طرح السؤال، خصوصا أن عبارة «محاسبية» جاءت في سياق حديث صريح عن المسؤولين الذين «ينتظرون» و«يتربصون»، وعن الحسابات والامتيازات.
وقد يكون المقصود أن بعض المسؤولين لا ينبغي أن يتعاملوا مع موقعهم الوزاري باعتباره مرحلة لحساب المكاسب أو ترتيب مستقبلهم بعد مغادرة المنصب.
وقد يكون سعيّد يقصد بصورة أوسع رفض إدارة الدولة بمنطق الحسابات السياسية والشخصية.
لكن يبقى اللافت أن كلمة «محاسبية» جاءت في هذا التوقيت بالذات.
هل يلمح الرئيس إلى تحوير حكومي؟
لا توجد إلى حد الآن أي إشارة رسمية تؤكد أن رئيس الجمهورية قرر إجراء تحوير حكومي يوم 25 أوت 2026.
لكن تصريحات سعيّد أعادت طرح الاحتمال بقوة.
فالتحوير الحكومي الذي أُعلن في 25 أوت 2024 كان واسعا، وشمل تعيين 19 وزيرا جديدا في عدد من الحقائب الرئيسية، إضافة إلى ثلاثة كتاب دولة.
وبعد عامين، يصل عدد من أولئك الوزراء الذين واصلوا مهامهم إلى العتبة القانونية للسنتين.
وفي الوقت نفسه، يوجه رئيس الجمهورية رسالة واضحة حول المسؤولية، ويقول إن مؤسسات الدولة ليست «قاعة انتظار»، وينتقد من «يهاب المسؤولية» أو «يتربص» أو «ينتظر».
وهذه مفردات يمكن أن تُقرأ باعتبارها رسالة تقييم إلى أعضاء الحكومة.
«قاعة الانتظار».. عبارة لها سوابق
ولا تبدو عبارة «قاعة الانتظار» جديدة في خطاب قيس سعيّد.
فقد سبق للرئيس أن استخدم تعبيرا مشابها عند حديثه عن مسؤولين يتعاملون مع مناصبهم وكأنها مواقع انتظار، مؤكدا أن المسؤولية ليست امتيازا ولا محطة مؤقتة، وإنما أمانة يجب تحمل تبعاتها.
وإعادة استعمال العبارة الآن تكتسب أهمية إضافية لأنها جاءت مقرونة بكلمات أخرى مثل «الحسابات» و«الامتيازات».
بمعنى آخر، الرسالة التي يمكن استخلاصها من كلام الرئيس هي أن من يتولى مسؤولية داخل الدولة لا يفترض أن ينتظر تغييرا أو منصبا آخر، ولا أن يحسب مكاسبه وامتيازاته، وإنما عليه أن يعمل ويتحمل مسؤوليته إلى النهاية.
لماذا الآن؟
السؤال الأكثر أهمية هو: لماذا اختار سعيّد هذه العبارات يوم 22 أوت، أي قبل 48 ساعة فقط من إتمام وزراء تحوير 2024 سنتهم الثانية؟
يمكن تفسير ذلك بأكثر من طريقة.
الاحتمال الأول أن يكون الرئيس بصدد توجيه رسالة عامة إلى كامل الجهاز الحكومي والإداري، مفادها أن استمرار المسؤول في منصبه مرتبط بالأداء وليس بالمدة التي قضاها في موقعه.
والاحتمال الثاني أن يكون سعيّد قد بدأ فعلا مرحلة تقييم لأعضاء الحكومة، وأن عباراته تشكل مقدمة لتحوير جزئي أو واسع.
أما الاحتمال الثالث، وهو الأكثر حساسية، فيتمثل في أن الرئيس كان واعيا بالتزامن بين بلوغ بعض الوزراء سنتين من المهام وبين الحقوق القانونية المترتبة عن ذلك، ولذلك اختار عبارة «العمليات المحاسبية» في سياق حديثه عن الحسابات والامتيازات.
لكن هذا الاحتمال الأخير يبقى قراءة سياسية تحتاج إلى تأكيد من الرئاسة أو من نص قانوني يربط صراحة بين الأمرين.
الماء والكهرباء.. ملفات قد تحدد مصير بعض الوزراء
لا يمكن فصل هذه الرسائل عن مضمون الجولة التي قام بها رئيس الجمهورية.
فقد زار وحدات إنتاج المياه المعدنية وتعليبها في الوسلاتية، واطلع على صعوبات التوزيع، ثم انتقل إلى سد نبهانة لمتابعة وضعية الموارد المائية.
كما تحدث عن الانقطاعات في الماء والكهرباء خلال موجة الحر، وقال إن ما يحصل «ليس بالأمر الطبيعي».
وتطرق كذلك إلى اختفاء المياه المعدنية من الأسواق، معلنا عن حجز أكثر من 80 ألف قارورة قال إنها كانت مخفية في أحد المستودعات.
هذه الملفات تمثل صلب الخدمات التي ينتظر المواطن أن تعمل بصورة طبيعية، وبالتالي فإن الوزراء والمسؤولين المكلفين بها سيكونون، بالضرورة، في قلب أي عملية تقييم حكومي.
ومن هنا، فإن أي تحوير محتمل لن يكون مجرد تغيير سياسي في الأسماء، بل يمكن أن يقدم باعتباره تغييرا في المسؤوليات بسبب الأداء والنتائج.
هل يمكن أن يكون 25 أوت موعدا لتحوير جديد؟
حتى الآن، لا يمكن القول إن 25 أوت 2026 سيكون موعدا لتحوير حكومي.
لكن التاريخ يجمع بين عنصرين لافتين:
أولا: مرور سنتين على التحوير الحكومي الكبير الذي أُجري في 25 أوت 2024.
ثانيا: استكمال الوزراء الذين حافظوا على مواقعهم منذ ذلك التاريخ للمدة الدنيا، وهي سنتان، التي يرتب القانون عند استيفائها حقا في جراية التقاعد الخاصة بأعضاء الحكومة.
وفوق ذلك تأتي عبارات رئيس الجمهورية عن «الانتظار» و«العمليات المحاسبية» و«الحسابات» و«الامتيازات».
وهذه العناصر مجتمعة تجعل احتمال وجود مراجعة حكومية أمرا يستحق المتابعة، دون أن تسمح في الوقت نفسه بالجزم بوجود قرار جاهز للتحوير.
ماذا لو حصل التحوير بعد 25 أوت؟
في حال قرر رئيس الجمهورية إنهاء مهام بعض الوزراء بعد إتمامهم السنتين، فإن ذلك يعني أن الوزراء المعنيين يكونون قد استوفوا، من حيث المدة، الشرط الأساسي لاكتساب حق جراية التقاعد المنصوص عليه قانونا.
أما إذا استمروا في مواقعهم، فإن القانون يرتب زيادة في النسبة بـ5 بالمائة عن كل ستة أشهر إضافية، وهو ما يجعل استمرار الوزير في منصبه ذا أثر مالي مباشر على جرايته المستقبلية، في حدود السقف القانوني.
ومن هنا تظهر مفارقة لافتة:
الوزير الذي يبقى في موقعه لا يحصل فقط على مزيد من الوقت لممارسة مهامه، وإنما تتراكم أيضا مدة تؤثر في نسبة جرايته التقاعدية وفقا للقانون.
وهذا بالضبط ما يجعل عبارة رئيس الجمهورية عن «العمليات المحاسبية» قابلة لقراءة تتجاوز المعنى السياسي العام، وإن كان لا يمكن التأكيد أنه قصد بها تحديدا هذا الجانب.
بين الإشارة والقرار
في النهاية، لا يوجد حتى الآن ما يثبت أن قيس سعيّد يستعد لإعلان تحوير حكومي يوم 25 أوت.
لكن خطابه الأخير قدم أكثر من إشارة تستحق التوقف.
فهو تحدث عن مسؤولين «يهابون المسؤولية»، وعن آخرين «يتربصون» أو «ينتظرون»، وقال إن مؤسسات الدولة ليست «قاعة انتظار» ولا «عمليات محاسبية»، قبل أن يرفض منطق «الحسابات والامتيازات».
وفي المقابل، يقف التاريخ نفسه أمام الحكومة: 25 أوت 2026، سنتان كاملتان على تحوير 25 أوت 2024، وسنتان كاملتان أيضا بالنسبة إلى عدد من الوزراء الذين بقوا في مواقعهم منذ ذلك التاريخ.
لذلك فإن السؤال لم يعد فقط: هل سيجري قيس سعيّد تحويرا حكوميا؟
بل أصبح أيضا:
هل كانت عبارة «العمليات المحاسبية» تلميحا إلى حسابات سياسية، أم إلى حسابات المناصب والامتيازات، أم أن الرئيس أراد ببساطة القول إن مؤسسات الدولة ليست مكانا ينتظر فيه المسؤولون أدوارهم؟
الإجابة قد تأتي مع أول قرارات تصدر عن قصر قرطاج بعد 25 أوت.
وإذا صدر تحوير فعلا، فإن عبارة «قاعة الانتظار» و«العمليات المحاسبية» ستُقرأ بأثر رجعي باعتبارها واحدة من أبرز الإشارات التي سبقت القرار.
