كشفت بيانات متخصصة في سوق الحبوب الدولية عن ارتفاع لافت في الأسعار التي دفعتها تونس لشراء شحنات جديدة من القمح اللين والشعير العلفي، في مؤشر جديد على الضغوط التي تواجهها فاتورة توريد الحبوب، في ظل تراجع الإمدادات من منطقة البحر الأسود.
وبحسب منصة تجارة الحبوب الأوكرانية، اشترى ديوان الحبوب التونسي، خلال مناقصة دولية جرت يوم 23 سبتمبر 2026، نحو 125 ألف طن من القمح اللين و75 ألف طن من الشعير العلفي.
القمح يتجاوز 314 دولاراً للطن
وتوزعت كمية القمح على خمس شحنات، بواقع 25 ألف طن لكل شحنة، وتم الشراء بأسعار تراوحت بين 311.72 و314.23 دولاراً للطن، على أساس «كلفة وشحن»، على أن يتم التسليم خلال الفترة الممتدة من 1 أكتوبر إلى 15 ديسمبر المقبل بحسب منطقة منشأ الحبوب.
ويكشف هذا السعر عن ارتفاع واضح مقارنة بآخر عملية شراء مماثلة.
ففي مناقصة دولية بتاريخ 30 جويلية 2026، اشترى ديوان الحبوب التونسي نحو 75 ألف طن من القمح اللين بمتوسط 288.19 دولاراً للطن.
وبالمقارنة، ارتفع السعر الجديد بما يتراوح بين نحو 23.5 و26 دولاراً للطن، أي بزيادة تقارب 8.2 إلى 9% مقارنة بمتوسط عملية الشراء السابقة.
وبالنسبة إلى كمية الـ125 ألف طن الجديدة، فإن كلفة الشراء وفق نطاق الأسعار المعلن تتراوح حسابياً بين نحو 39 و39.3 مليون دولار قبل احتساب أي فروقات مرتبطة بالشحنات ومناطق المنشأ.
والشعير أيضاً يرتفع
لم يقتصر الارتفاع على القمح.
فقد اشترت تونس 75 ألف طن من الشعير العلفي، موزعة على ثلاث شحنات، بسعر تراوح بين 304.23 و307.62 دولاراً للطن، على أن يتم التسليم بين 20 أكتوبر و30 نوفمبر.
وكان متوسط السعر في مناقصة 27 أوت 2026 قد بلغ 301.7 دولاراً للطن.
وبذلك يتراوح الارتفاع في السعر الجديد بين حوالي 2.5 و5.9 دولارات للطن، أي بين أقل من 1% ونحو 2% مقارنة بالعملية السابقة.
البحر الأسود يضغط على السوق
وتربط منصة تجارة الحبوب الأوكرانية هذا الارتفاع في أسعار القمح أساساً بـتراجع الإمدادات من منطقة البحر الأسود، وهي المنطقة التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد أهم مصادر الحبوب في الأسواق العالمية، وخاصة بالنسبة إلى الدول المستوردة في حوض المتوسط.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس، التي تعتمد على الواردات لتغطية جزء مهم من حاجياتها من الحبوب، رغم تحسن الموسم الزراعي المحلي.
وكان ديوان الحبوب قد أعلن في سبتمبر أن إجمالي الكميات المجمعة من محصول 2026 بلغ نحو 11 مليون قنطار مع اقتراب اختتام الموسم، منها حوالي 8 ملايين قنطار من القمح الصلب و1.7 مليون قنطار من القمح اللين. كما سجلت محاصيل الشعير تراجعاً بنسبة 42%.
ضغط إضافي على فاتورة الغذاء
وتأتي هذه المشتريات الجديدة في وقت تشير فيه أحدث بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى ارتفاع واردات تونس من المواد الغذائية بنسبة 17.1% خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026 مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025.
ومن هنا تكتسب مناقصة ديوان الحبوب أهمية تتجاوز حجمها المباشر، لأن ارتفاع سعر الطن في المشتريات الدولية يعني أن تونس تحتاج إلى إنفاق مزيد من العملة الأجنبية لتأمين الكميات نفسها، إذا استمرت الأسعار العالمية عند مستوياتها الحالية.
وبالحساب التقريبي، فإن شراء 200 ألف طن في المناقصة الأخيرة، بين القمح والشعير، يمثل كلفة تتراوح وفق الحدين السعريين المعلنين بين نحو 61.8 و62.4 مليون دولار، مع اختلاف السعر الفعلي من شحنة إلى أخرى.
حرب البحر الأسود تصل إلى فاتورة الحبوب التونسية
وتعيد هذه العملية إبراز إحدى أكثر حلقات الاقتصاد العالمي حساسية بالنسبة إلى تونس:
الحرب الروسية الأوكرانية واضطرابات منطقة البحر الأسود → تراجع أو تغير تدفقات الحبوب → ارتفاع أسعار الشراء في المناقصات الدولية → زيادة كلفة تأمين حاجيات تونس من القمح والشعير → ضغط إضافي على فاتورة الواردات.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الزيادة الحالية ستنتقل مباشرة وبنفس النسبة إلى أسعار الخبز أو مشتقات الحبوب في تونس، إذ تتدخل في تحديد الأسعار المحلية عوامل أخرى، من بينها الدعم وكلفة الطحن والنقل والتخزين وآليات تدخل الدولة.
لكن الأرقام الجديدة تكشف بوضوح أن سوق الحبوب العالمية بدأت تفرض كلفة أعلى على عملية تأمين جزء من احتياجات تونس، في وقت تعمل فيه البلاد على تعزيز إنتاجها المحلي وتقليص تعرضها لتقلبات الأسواق الخارجية.
وتبقى الأنظار الآن موجهة إلى تطورات أسعار الحبوب خلال الأسابيع المقبلة، خصوصاً مع اقتراب مواعيد تسليم الكميات التونسية الجديدة، ومدى استمرار الضغوط على إمدادات البحر الأسود.
