فتحت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، الجمعة، ملف العلاقة المتدهورة بين تل أبيب وواشنطن، محذرة من أن مكانة إسرائيل لدى الرأي العام الأمريكي وصلت، وفق توصيفها، إلى «مستوى غير مسبوق» من التراجع.
وفي افتتاحيتها التي حملت عنوان «مستوى غير مسبوق»، قالت الصحيفة إن التحذيرات من حدوث أزمة عميقة في العلاقة الاستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة لم تعد مجرد سيناريوهات بعيدة، معتبرة أن سياسات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أسهمت في دفع صورة إسرائيل داخل الولايات المتحدة إلى «الحضيض».
وبحسب هآرتس، فإن الضرر الذي أصاب العلاقة مع واشنطن تراكم رغم التحذيرات المتكررة لنتنياهو من تداعيات سياساته، وخاصة ما وصفته الصحيفة بتدخله في السياسة الداخلية الأمريكية وانحيازه للرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري.
وترى الصحيفة أن آثار هذا المسار ظهرت في البداية داخل القاعدة الديمقراطية، قبل أن تتسع دائرة التراجع لتصل، بحسبها، إلى الجمهوريين أيضا.
وتقول هآرتس إن التحول الأخطر يتمثل في أن تراجع التأييد لإسرائيل لم يعد ظاهرة مرتبطة بالحزب الديمقراطي وحده، بل بات يشمل شرائح داخل الحزب الجمهوري، وهو ما تعتبره الصحيفة تطورا ذا تداعيات مباشرة على مستقبل العلاقة بين تل أبيب وواشنطن.
أرقام أمريكية تكشف حجم التحول
وتأتي هذه التحذيرات في وقت ترصد فيه استطلاعات أمريكية بالفعل تراجعا واضحا في نظرة الأمريكيين إلى إسرائيل ورئيس حكومتها.
ففي أحدث بيانات نشرها مركز بيو للأبحاث في أفريل 2026، قال 60 بالمئة من الأمريكيين إن لديهم نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقابل 37 بالمئة يحملون نظرة إيجابية. وارتفعت نسبة النظرة السلبية من 53 بالمئة في 2025 و42 بالمئة في 2022.
والأكثر دلالة أن 59 بالمئة من الأمريكيين قالوا إن ثقتهم في قدرة بنيامين نتنياهو على اتخاذ القرارات الصحيحة بشأن القضايا الدولية محدودة أو معدومة، مقابل 27 بالمئة فقط قالوا إن لديهم بعض الثقة أو ثقة كبيرة فيه.
كما أظهر المسح أن التحول لا يقتصر على فئة سياسية واحدة، إذ أصبحت غالبية الأمريكيين الذين تقل أعمارهم عن 50 عاما في الحزبين الديمقراطي والجمهوري تنظر بصورة سلبية إلى إسرائيل ونتنياهو.
التراجع داخل الحزب الجمهوري يثير القلق
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة بالنسبة إلى إسرائيل، لأن علاقتها التقليدية بالولايات المتحدة لم تكن تقوم فقط على دعم الإدارة الموجودة في البيت الأبيض، وإنما أيضا على شبكة واسعة من التأييد داخل الكونغرس والحزبين الجمهوري والديمقراطي.
وبحسب بيو، شهد موقف الجمهوريين أنفسهم تحولا لافتا في السنوات الأخيرة، خصوصا بين الأصغر سنا. ففي 2026 لم يعد الجمهوريون موحدين في نظرتهم إلى نتنياهو، إذ بلغت نسبة من لديهم بعض الثقة أو ثقة كبيرة فيه 45 بالمئة، مقابل 44 بالمئة لديهم ثقة محدودة أو معدومة. أما بين الجمهوريين الذين تقل أعمارهم عن 50 عاما، فلم تتجاوز الثقة 30 بالمئة.
وفي يوليو 2026، أظهرت بيانات أخرى لبيو أن النظرة السلبية إلى الإسرائيليين أنفسهم ارتفعت أيضا، وإن ظلت أقل حدة من النظرة إلى الحكومة الإسرائيلية؛ إذ قال 42 بالمئة من الأمريكيين إن لديهم نظرة سلبية إلى الإسرائيليين، مقابل 52 بالمئة نظرة إيجابية.
تحذير من أزمة تتجاوز نتنياهو
وتحذر هآرتس من أن المشكلة، وفق قراءتها، لا تتعلق فقط بشعبية نتنياهو الشخصية، وإنما بالآثار التي يمكن أن تتركها سياساته على صورة إسرائيل داخل المجتمع الأمريكي وعلى طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين البلدين.
وتقول الصحيفة إن على الإسرائيليين أن يدركوا حجم التدهور الذي طرأ على صورة إسرائيل لدى الرأي العام الأمريكي، وأن يتعاملوا مع السؤال المتعلق بما يمكن أن يعنيه هذا التحول لمستقبل العلاقات بين البلدين.
وتأتي هذه المخاوف في سياق شهد خلال الأشهر الأخيرة مؤشرات على وجود تباينات بين إدارة ترامب وحكومة نتنياهو بشأن عدد من الملفات، بالتوازي مع استمرار الحرب والسياسات الإسرائيلية في المنطقة.
وبينما تؤكد الحكومة الإسرائيلية عادة أهمية التحالف مع واشنطن، فإن الأرقام الأمريكية الأخيرة تقدم مؤشرا مستقلا على اتساع الفجوة في مواقف الرأي العام، وهو ما يجعل النقاش داخل إسرائيل يتجاوز الخلاف حول حكومة نتنياهو إلى سؤال أوسع: هل بدأ الدعم الشعبي الأمريكي لإسرائيل يتحول بصورة يصعب عكسها؟
وتشير بيانات بيو الأحدث إلى أن التراجع لم يعد محصورا في الديمقراطيين، بل أصبح أكثر وضوحا أيضا لدى قطاعات من الجمهوريين والشباب الأمريكيين، وهي الفئات التي يمكن أن يكون لمواقفها تأثير طويل الأمد على طبيعة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية.
