خلال الأيام القليلة الماضية، ضجت العديد من الصحف والمواقع الاخبارية التونسية بعناوين رنانة تزعم أن « شركة بوينغ تدخل على خط المفاوضات لتجديد أسطول الخطوط التونسية ».
وجاء هذا الإعلان في أعقاب لقاء رسمي جمع وزير النقل التونسي بوفد من عملاق الطيران الأمريكي في 22 أكتوبر الماضي. ولكن، وراء البيانات الرسمية المنمقة والحماس الإعلامي، تختبئ حقيقة قانونية وإدارية مغايرة تماماً: فلم يتم تقديم أي طلبية شراء فحسب، بل إن المبعوثين الحاضرين لم يكن لديهم أصلاً الحق القانوني في مناقشة بيع أي طائرة.
خلط في الصلاحيات: العلاقات العامة في مواجهة المبيعات التجارية
ترأس وفد شركة بوينغ الذي استُقبل في تونس السيد وائل زعود. ورغم أن بعض وسائل الإعلام سارعت بوصفه صانع قرار تجاري في المنطقة، إلا أن السيد زعود يشغل في الواقع منصب المدير العام لشركة بوينغ في قطر. وتقتصر مهامه داخل المجموعة الأمريكية متعددة الجنسيات بشكل صارم على إدارة العلاقات الحكومية، الشؤون العامة، وبرامج المسؤولية الاجتماعية في منطقة الخليج.
ولم يكن لوجوده في تونس أي صلة بالفرع التجاري للشركة المصنعة، بل جاءت زيارته للمشاركة في إطلاق البرنامج التعليمي والتقني « ايروستار »، بالتعاون مع منظمة « أمديست » (أميديست). ووفقاً للوائح الداخلية ومواثيق الامتثال الصارمة في بوينغ، فإن مدير الشؤون العامة أو المسؤول الإقليمي الذي لا ينتمي إلى الفرع التجاري لا يملك أي تفويض قانوني لإلزام الشركة بأي مناقشات بيع أو تسويق.
ماذا تقول اللوائح الداخلية لشركة بوينغ؟
يعتبر الفصل بين السلطات والقطاعات قاعدة ذهبية داخل شركة بوينغ، وهي قاعدة عززتها سنوات من الرقابة التنظيمية الدولية الصارمة. فالمفاوضات المتعلقة ببيع أو تأجير الطائرات المدنية تقع حصرياً تحت طائلة قطاع « بوينغ للطائرات التجارية » * ، وتحديداً مديرية المبيعات التجارية لمنطقة إفريقيا.
وتحظر البروتوكولات الداخلية للشركة المصنعة حظراً قاطعاً على أي موظف خارج إطار هذا القطاع التجاري القيام بما يلي:
- فتح مفاوضات تجارية أو تقديم مقترحات للأسعار.
- توقيع مذكرات تفاهم ( تلزم الشركة بقدرات أو مواعيد تسليم معينة.
- إجراء تدقيق أو تقييم لاحتياجات تجديد أسطول شركة طيران أخرى دون تفويض صريح من مجلس إدارة الفرع التجاري.
وأي خرق لهذه القواعد يعرض الموظف لعقوبات إدارية وقانونية جسيمة بسبب الإخلال بقواعد الحوكمة. ومن هنا يتضح أن المحادثات التي دارت في تونس لم تتعدَّ الإطار البروتوكولي المحض؛ حيث استمع السيد وائل زعود، في أفضل الأحوال، إلى تطلعات وطموحات وزارة النقل التونسية لنقلها إلى الفرق المختصة في سياتل، دون أن يملك القدرة على الرد عليها تقنياً أو مالياً.
صمت بوينغ: الدليل القاطع بغياب البيان
يظهر الدليل الأكثر وضوحاً على هذا الانفصال في السياسة الاتصالية للعملاق الأمريكي نفسه. فبينما حظي اللقاء بتغطية إعلامية واسعة من جانب وزارة النقل التونسية لطمأنة الرأي العام حول مستقبل الناقلة الوطنية (التي تهدف للوصول إلى 21 طائرة بحلول نهاية 2026)، لم تخصص بوينغ سطراً واحداً للحديث عن مفاوضات تجارية مزعومة مع الخطوط التونسية.
وبالنسبة لشركة مدرجة في البورصة مثل بوينغ، فإن أي نقاش جدي أو رسالة نوايا تجارية يجب أن تخضع لإفصاح صارم وشفاف لتجنب أي تلاعب بالأسعار أو استغلال للمعلومات الداخلية في سوق الأسهم. واقتصار اتصالات بوينغ على الجانب الأكاديمي (برنامج ايروستار) يؤكد أن ملف الخطوط التونسية لا وجود له حالياً على الطاولة التجارية للشركة.
استراتيجية اتصال تونسية تبحث عن طوق نجاة
بالنسبة للخطوط التونسية، التي يعتمد أسطولها الحالي بشكل شبه كلي على طائرات إيرباص (19 طائرة في النصف الأول من عام 2026، أغلبها مستأجر)، فإن إقحام اسم بوينغ يبدو أقرب إلى الدبلوماسية الاستعراضية منه إلى استراتيجية صناعية حقيقية. فالشركة الوطنية، التي تواجه قيوداً مالية خانقة، تحاول إظهار أنها تطرق كل الأبواب العالمية للخروج من الأزمة.
لكن خلط زيارة مجاملة أكاديمية بطاولة مفاوضات تجارية يعد خطأ فادحاً في قراءة المشهد؛ إذ لا يتم تفاوض تجديد الأساطيل مع مدراء شؤون عامة جاؤوا لافتتاح برامج تدريبية، بل مع مهندسي صفقات ومدراء مبيعات تجارية مفوضين رسمياً من إدارة سياتل. وحتى إشعار آخر، تظل الخطوط التونسية وفية لأسطول إيرباص، بينما تكتفي بوينغ بالنظر إلى تونس من نافذة قاعات التدريب، لا من حظائر تسليم الطائرات.
*(Boeing Commercial Airplanes – BCA)
