قد لا تكون تونس طرفاً في المواجهة المحتملة بين واشنطن وطهران، ولا تقع في دائرة الصراع العسكري المباشر، لكنها ليست بمنأى عن تداعياته الاقتصادية. فارتفاع أسعار النفط، واضطراب الملاحة البحرية، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، عوامل يمكن أن تزيد الضغوط على الاقتصاد التونسي وتنعكس على الأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين.
مع تزايد احتمالات تجدد المواجهة الأمريكية الإيرانية، تتجه الأنظار مجدداً إلى مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم. وأي اضطراب في هذا الممر لن يقتصر تأثيره على دول الخليج أو البلدان الآسيوية المستوردة للطاقة، بل يمكن أن يمتد إلى أسواق بعيدة، من بينها تونس.
علينا أن نفهم قبل ذلك أن تونس لا تعتمد بالضرورة على مضيق هرمز في توريد الجزء الأكبر من حاجياتها النفطية، إذ ترتبط عقودها بمصادر أخرى، من بينها أذربيجان بالنسبة إلى النفط الخام والجزائر بالنسبة إلى الغاز.
لكن ذلك لا يحميها من ارتفاع الأسعار العالمية، لأن النفط يباع في سوق دولية واحدة، وأي اضطراب في الإمدادات ينعكس على كلفة الشراء مهما كان بلد المنشأ.
فاتورة الطاقة تحت ضغط جديد
تدخل تونس هذه المرحلة وهي تعاني أصلاً من عجز طاقي متفاقم. فقد بلغ العجز التجاري الطاقي نحو 10.480 مليارات دينار، وفق المعطيات التي عُرضت أمام البرلمان يوم 29 أكتوبر 2026.
كما يتضمن مشروع ميزانية 2027 نحو 7.09 مليارات دينار لدعم المحروقات، وهو ما يكشف حجم الأعباء التي تتحملها الدولة لتأمين حاجيات السوق المحلية.
وفي صورة استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز، ستجد تونس نفسها أمام خيارين صعبين: إما تحمل جزء أكبر من الزيادة عبر الدعم، بما يضغط على الميزانية، أو السماح بانتقال جزء منها إلى الأسعار المحلية، بما ينعكس على المواطنين والمؤسسات.
الشحن البحري… زيادة قد تصل إلى الأسواق
شركات النقل والتأمين تتعامل مع المخاطر الجيوسياسية على المستوى الدولي، وقد ترفع أسعارها أو تضيف رسوماً جديدة حتى قبل حدوث توقف فعلي للملاحة.
وبالنسبة إلى تونس، يمكن أن تظهر التداعيات في كلفة استيراد المواد الغذائية والحبوب والزيوت والمواد الأولية وقطع الغيار والتجهيزات الصناعية، خصوصاً القادمة من آسيا.
كما أن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، إذا تزامن مع أزمة في مضيق هرمز، قد يدفع بعض السفن إلى اعتماد مسارات أطول حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما يزيد مدة الرحلات واستهلاك الوقود وكلفة النقل.
هل يدفع المواطن التونسي ثمن التصعيد؟
الانعكاس الأكثر حساسية قد يظهر في أسعار السلع. فارتفاع كلفة الطاقة والشحن يدخل في حسابات إنتاج ونقل وتوزيع عدد كبير من المنتجات، من المواد الغذائية إلى الأدوية والمواد الصناعية.
وقد لا يشعر المستهلك بالتأثير مباشرة، بسبب المخزونات والعقود السابقة، لكن استمرار الأزمة سيجعل الطلبيات الجديدة أكثر كلفة، وهو ما قد يدفع المؤسسات إلى تمرير جانب من الزيادات إلى الأسعار.
وهنا يبرز خطر إضافي يتمثل في عودة الضغوط التضخمية، في وقت لا تزال فيه القدرة الشرائية للتونسيين تواجه صعوبات كبيرة.
صائفة 2027… ملف الكهرباء يدخل المعادلة
هناك جانب آخر يستحق الانتباه، ويتعلق باستعداد تونس للصيف المقبل.
فالبلاد تواجه أصلاً تحدياً في توفير الكهرباء خلال ساعات الذروة، بعد أن بلغ الطلب مستويات قياسية في صائفة 2026. ومع اعتماد إنتاج الكهرباء بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي، فإن أي ارتفاع في كلفة التزود بالطاقة سيزيد الأعباء المالية على الشركة التونسية للكهرباء والغاز والدولة.
ولا يعني ذلك أن التصعيد الأمريكي الإيراني سيؤدي حتماً إلى انقطاعات جديدة، لكن استمرار اضطراب الأسواق قد يجعل تأمين حاجيات المحطات أكثر كلفة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى إنجاز مشاريع جديدة لرفع الإنتاج قبل الصيف المقبل.
هل يمكن أن تستفيد تونس من ارتفاع النفط؟
قد تحقق بعض الأنشطة المرتبطة بإنتاج وتصدير النفط عائدات إضافية نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية. لكن هذه المكاسب ينبغي ألا تحجب حقيقة أن تونس مستورد صافٍ للطاقة، وأن فاتورة مشترياتها تفوق ما يمكن أن تحققه من استفادة محدودة في بعض الصادرات.
حرب بعيدة… وفاتورة قد تصل إلى التونسيين
ما يحدث في الخليج ليس شأناً عسكرياً بعيداً عن تونس. فالتصعيد المحتمل قد ينعكس على أسعار المحروقات، وكلفة النقل البحري، وأسعار المواد المستوردة، وأعباء الميزانية.
والأهم من كل هذا أن تونس تدخل هذه المرحلة وهي تواجه أصلاً عجزاً طاقياً وتجارياً وضغوطاً على مواردها من العملة الأجنبية.
لذلك، فإن المطلوب من السلطات التونسية عدم انتظار اتضاح مسار المواجهة حتى تبدأ في تقييم تداعياتها، بل إعداد سيناريوهات لارتفاع أسعار النفط والشحن والتأمين، ومراجعة حاجيات البلاد من المواد الأساسية ومخزوناتها.
قد لا تطلق المواجهة الأمريكية الإيرانية رصاصة واحدة باتجاه تونس، لكن استمرارها قد يجعل آثارها محسوسة في فاتورة الوقود والكهرباء وأسعار السلع، وفي نهاية المطاف في جيب المواطن.
