أعادت الزيادات الأخيرة في الأجور والجرايات لسنة 2026 فتح النقاش حول مدى قدرة منظومة الحماية الاجتماعية في تونس على ضمان استفادة الفئات الأكثر هشاشة، خاصة أصحاب الجرايات الضعيفة، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
ولم يكن الجدل مرتبطا فقط بنسبة الزيادة، المقدرة بـ5 بالمائة، بل بطريقة تطبيقها ومدى وصول أثرها الحقيقي إلى الفئات التي تعتبر الأكثر حاجة إلى الدعم، وهو ما دفع عددا من الخبراء إلى التساؤل حول مدى انسجام هذه الإجراءات مع شعار « الدولة الاجتماعية » الذي تؤكد عليه السلطات التونسية في وثائقها الرسمية وسياساتها العمومية.
رضا الشكندالي: « أمّ الغرائب »..
وصف الأستاذ الجامعي والمحلل الاقتصادي رضا الشكندالي ما اعتبره « أمّ الغرائب » في طريقة تطبيق الزيادة الأخيرة في الأجور، متسائلا عن مدى انسجامها مع مفهوم الدولة الاجتماعية.
وأوضح الشكندالي، في تدوينة نشرها، أنه تلقى اتصالا من أحد جيرانه المتقاعدين الذي لا تتجاوز جرايته الشهرية 260 دينارا، يستفسر عن مدى تمتعه بالزيادة الأخيرة في الأجور باعتباره من فئة المتقاعدين.
وأضاف أنه أكد له في البداية أن المتقاعدين معنيون بهذه الزيادة، قبل أن يكتشف أن جراية جاره بقيت على حالها ولم يطرأ عليها أي تغيير.
وقال الشكندالي إنه تنقل رفقة المتقاعد إلى مصالح الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي للاستفسار عن الأمر، حيث تم إعلامهما بأن أصحاب الجرايات التي تقل عن الأجر الأدنى المضمون (السميغ) غير مشمولين بهذه الزيادة، وأنها تخص فقط من يتقاضون جرايات تفوق هذا المستوى.
وأكد أنه لم يصدق هذه المعلومة في البداية، قبل أن يتصل بعدد من النواب، لتكون المفاجأة، حسب تعبيره، أن الأمر صحيح وأن هذه الفئة من المتقاعدين لم تنتفع بالزيادة.
وانتقد الشكندالي هذا التوجه، معتبرا أن إقصاء أصحاب الجرايات الأضعف من أي زيادة يتناقض مع مفهوم الدولة الاجتماعية، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وتساءل: « أي دور اجتماعي للدولة يتغاضى أو يقصي أضعف شريحة دخل من زيادة في الأجور؟ »، مضيفا أن الأولوية كان يجب أن تمنح لهذه الفئة قبل غيرها، عبر تمكينها على الأقل من دخل يقترب من مستوى السميغ، الذي وصفه بأنه « دخل يحشم » أمام موجة الغلاء الحالية.
وأكد أن هذا الإشكال يطرح تناقضا بين الخطاب الرسمي حول دعم الفئات الهشة وبين واقع بعض أصحاب الجرايات المحدودة، في وقت تؤكد فيه المخططات التنموية وقوانين المالية على خيار ترسيخ البعد الاجتماعي للسياسات العمومية.

تفسير قانوني لا يلغي الإشكال الاجتماعي
من جهته، قدم الأستاذ بدر السماوي، الخبير في أنظمة الحماية الاجتماعية، تفسيرا لطبيعة الإشكال، مؤكدا أن الزيادات الأخيرة في الأجور والجرايات لسنة 2026 أثارت موجة غير مسبوقة من التساؤلات لدى المواطنين، خاصة المتقاعدين وأصحاب الجرايات الضعيفة، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وأوضح السماوي، خلال مداخلته في برنامج أكسبرسو »، أن خصوصية زيادات سنة 2026 تكمن في تطبيقها على مختلف القطاعات في الفترة نفسها، خلافا للسنوات الماضية التي كانت تشهد تطبيق الزيادات على مراحل متباعدة، وهو ما ساهم في تضاعف حجم الاستفسارات والاحتجاجات.
وأشار إلى أن الفئة الأكثر طرحا للتساؤلات تتمثل في أصحاب الجرايات الضعيفة الذين تم تعديل جراياتهم بالتزامن مع المنح المسندة للعائلات المعوزة، موضحا أن جزءا من هذه الجرايات تتحمل الدولة تمويله بشكل مباشر.
وبيّن أن إقرار زيادة بنسبة 5 بالمائة على الجراية الأصلية قد يقابله تقليص في الجزء الذي تتكفل به الدولة، ما يجعل المنتفع يحصل في النهاية على مبلغ قريب من السابق، وبالتالي لا يلاحظ أثرا فعليا للزيادة.
واعتبر السماوي أن هذا التفسير يبدو منطقيا من الناحية القانونية، لكنه لا يجيب عن الإشكال الاجتماعي المرتبط بضعف المداخيل، داعيا إلى التفكير في آليات جديدة تسمح لهذه الفئات بالانتفاع الفعلي بالزيادات المقررة.
اختلاف آجال الانتفاع وثغرات قانونية قديمة
كما أوضح السماوي أن تواريخ سريان الزيادات تختلف بحسب الأنظمة الاجتماعية، مشيرا إلى أن المتقاعدين التابعين للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي انتفعوا بالزيادة بداية من جانفي 2026 مع صرف الفوارق المالية، في حين تعتمد بعض أنظمة العمل غير الأجير والفنانين والمبدعين تاريخ أفريل 2026 كنقطة انطلاق.
أما بعض الفئات محدودة الدخل، مثل صغار الحرفيين والفلاحين وعمال المنازل، فلن تنتفع بالزيادة الجديدة إلا بداية من سنة 2027 وفقا للنصوص القانونية المنظمة لهذه الأنظمة.
ولفت الخبير إلى استمرار عدد من الثغرات القانونية، من بينها وضعية التونسيين بالخارج المنخرطين اختياريا في نظام الضمان الاجتماعي، حيث ينص التشريع على مراجعة جراياتهم وفق تطور مستوى المعيشة، غير أن الأمر الحكومي المنظم لكيفية التطبيق لم يصدر منذ أكثر من ثلاثة عقود.
كما أشار إلى وضعية ضحايا حوادث الشغل والأمراض المهنية في القطاع العمومي، حيث نص القانون على مراجعة الجرايات وفق تطور الأجر الأدنى المضمون، غير أن النص الترتيبي المنظم لذلك لم ير النور.
المشكل الحقيقي: التضخم يلتهم أثر الزيادة
وأكد بدر السماوي أن الزيادات لا تشمل المتقاعدين فقط، بل تمتد إلى مختلف المنتفعين بالجرايات، بمن فيهم الأرامل والأيتام وأصحاب جرايات العجز وضحايا حوادث الشغل والأمراض المهنية، وفق الشروط القانونية الخاصة بكل نظام.
وشدد على أن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بنسبة الزيادة فقط، بل بتسارع نسق التضخم وارتفاع أسعار المواد الأساسية، وهو ما جعل أثر الزيادات محدودا على مستوى القدرة الشرائية.
ودعا إلى تعزيز مبدأ العدالة الاجتماعية عبر توجيه نسب زيادات أكبر نحو أصحاب الدخل المحدود والجرايات الضعيفة، بما يساهم في تقليص الفوارق الاجتماعية وتحسين ظروف الفئات الأكثر هشاشة.
كما أثار ملف المنخرطين في النظام التكميلي للجرايات بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، مؤكدا أنهم لم ينتفعوا بأي مراجعة جديدة رغم مساهماتهم المتواصلة، بسبب عدم تحيين قيمة النقطة المعتمدة في احتساب الجرايات التكميلية منذ سنة 2019.

وبين الجدل الذي أثاره رضا الشكندالي والتوضيحات التي قدمها بدر السماوي، يبقى السؤال المركزي مطروحا: هل تحقق الزيادات الأخيرة هدفها الاجتماعي فعلا، أم أن بعض الفئات الأكثر هشاشة مازالت تنتظر آلية تضمن وصول أثر هذه الزيادات إليها؟


