الرئيسية آخر الأخبار هل تتجه الدولة إلى تحويل أجور الموظفين إلى البريد التونسي لمعاقبة البنوك...

هل تتجه الدولة إلى تحويل أجور الموظفين إلى البريد التونسي لمعاقبة البنوك ؟

0
5419
اضراب البنوك
اضراب البنوك

أثار منشور متداول على مواقع التواصل الاجتماعي جدلًا واسعًا بعد حديثه عن « قرار وطني يقضي بتنزيل أجور موظفي الدولة في البريد التونسي »، مقدّمًا الأمر على أنه توجه جديد سيغيّر طريقة صرف مرتبات الموظفين العموميين، بل ذهب إلى ربط هذا الأمر بما اعتبره « عقابًا للبنوك » على خلفية الإضراب الذي نفذه أعوان القطاع البنكي.

غير أن هذا الادعاء، إلى حدّ الآن، لا يستند إلى أي بلاغ رسمي صادر عن رئاسة الحكومة أو وزارة المالية أو أي جهة إدارية مخولة، كما لم يتم نشر أي منشور قانوني يعلن تغيير منظومة صرف أجور أعوان الدولة أو تحويلها بشكل شامل إلى البريد التونسي.

ومن الناحية العملية، فإن صرف أجور الموظفين في تونس يتم عبر منظومة مالية قائمة منذ سنوات، تعتمد على الحسابات التي يصرّح بها الموظف لدى المؤسسات المالية، سواء كانت بنوكًا أو البريد التونسي. ولا يوجد ما يمنع الموظف من اختيار المؤسسة التي يرغب في إيداع راتبه بها، باعتبار أن العلاقة بين المواطن والمؤسسة المالية تقوم على الاختيار والعقود المبرمة بين الطرفين.

كما أن الحديث عن تحويل شامل لأجور مئات الآلاف من موظفي الدولة إلى مؤسسة مالية واحدة يطرح جملة من الأسئلة الواقعية، خاصة أن عددًا كبيرًا من الموظفين مرتبطون بعلاقات مالية مع البنوك، من بينها قروض سكنية واستهلاكية واقتطاعات شهرية والتزامات تعاقدية تمتد لسنوات.

blank

فحتى لو اختارت الدولة مستقبلًا تعزيز دور البريد التونسي في الخدمات المالية أو تطوير آليات صرف الأجور عبره، فإن ذلك لا يعني بالضرورة إلغاء التعامل مع البنوك أو نقل كل الحسابات إليها، لأن المنظومة المالية تقوم على تعدد الفاعلين وحرية اختيار المواطن للمؤسسة التي يتعامل معها.

كما أن تقديم هذا الأمر على أنه « عقوبة ضد البنوك » يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن الدولة نفسها فاعل رئيسي داخل القطاع البنكي وليست طرفًا خارجه. فالدولة تمتلك ثلاثة بنوك عمومية هي البنك الوطني الفلاحي والشركة التونسية للبنك وبنك الإسكان، إضافة إلى مساهمات في مؤسسات مالية أخرى.

وبالتالي، فإن أي قرار يستهدف القطاع البنكي ككل ستكون له انعكاسات على مؤسسات تابعة للدولة نفسها، وهو ما يجعل فرضية « معاقبة البنوك » عبر تحويل أجور الموظفين أقرب إلى قراءة سياسية للموضوع منها إلى قرار اقتصادي منطقي.

كما أن القطاع البنكي لا يقتصر على مؤسسات خاصة فقط، بل يمثل أحد مكونات الدورة الاقتصادية الوطنية، حيث يساهم في تمويل المؤسسات والأفراد والاستثمار، كما يرتبط مباشرة بالسياسات المالية للدولة.

أما البريد التونسي، باعتباره مؤسسة عمومية تضطلع بدور مهم في الخدمات المالية، فإنه يمثل خيارًا متاحًا للمواطنين والموظفين الراغبين في الاستفادة من خدماته، لكنه يعمل داخل منظومة تضم أيضًا البنوك والمؤسسات المالية الأخرى.

ويرى متابعون أن مثل هذه الأخبار تحتاج إلى التثبت من مصدرها قبل تداولها، خاصة عندما تتعلق بملف يمس الحياة اليومية لمئات الآلاف من الموظفين. فقرار بهذا الحجم، لو كان موجودًا، سيكون بالضرورة معلنًا عبر القنوات الرسمية ومصحوبًا بتوضيحات حول آليات التطبيق وتأثيراته على الموظفين والمؤسسات المالية.

وبينما يبقى البريد التونسي خيارًا متاحًا للراغبين في التعامل معه، فإن الحديث عن تحويل شامل لأجور موظفي الدولة أو استخدام هذا الملف لمعاقبة البنوك يحتاج إلى قرار رسمي واضح وحجج اقتصادية معلنة، وليس إلى منشورات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي.