لم تعد قضية التلاعب بصناديق الاستثمار في بورصة إسطنبول مجرد أزمة مالية هزّت ثقة المستثمرين في السوق التركية، بل تحولت إلى قضية سياسية وقضائية تطال شخصيات من الدائرة القريبة من حزب العدالة والتنمية الحاكم، وصولاً إلى قيادات بارزة فيه.
وفي أحدث تطورات القضية، أفادت وسائل إعلام تركية، فجر الجمعة 6 نوفمبر 2026، بإيقاف وإيداع فاطمة بتول صيان قايا، النائبة السابقة لرئيس حزب العدالة والتنمية ووزيرة الأسرة والسياسات الاجتماعية السابقة، السجن، بعد إحالتها إلى القضاء بطلب من النيابة العامة في إسطنبول.
وتواجه قايا اتهامات تتعلق بالانتماء إلى تنظيم إجرامي ومخالفة قانون أسواق رأس المال، في إطار التحقيقات الجارية بشأن شبهات التلاعب بالأسهم وصناديق الاستثمار. وهي اتهامات لا تعني ثبوت إدانتها، إذ يبقى الفصل فيها من اختصاص القضاء.
وكانت قايا قد استقالت في 27 سبتمبر الماضي من منصبها القيادي داخل الحزب الحاكم، بعد أن أثارت المعارضة تساؤلات بشأن معاملات مالية ضخمة مرتبطة بها وبزوجها إلياس قايا، سبقت الانهيار الذي شهدته بعض الأسهم في بورصة إسطنبول.
وبحسب الأرقام التي أعلنها المتحدث باسم حزب المستقبل الجديد المعارض، زينل أمره، فإن الزوجين استثمرا نحو 163 مليون ليرة تركية في شراء أسهم خلال شهر أفريل، قبل أن يحققا من عمليات البيع عائدات قُدّرت بنحو 2.17 مليار ليرة، أي أرباحاً تقارب 2.007 مليار ليرة.
وتتركز الشبهات خصوصاً حول أسهم شركة بناء السفن «أوزاتا دينيزجيليك»، التي شهدت ارتفاعاً استثنائياً في قيمتها قبل موجة الهبوط التي ضربت السوق في سبتمبر. ولم تقدم قايا، عند استقالتها، توضيحاً تفصيلياً بشأن هذه المعاملات، وقالت إنها طلبت إعفاءها من مهامها حتى يتسنى توضيح الادعاءات.
من أرباح الأسهم إلى شبهات التنظيم الإجرامي
الأخطر في القضية أن التحقيق لم يعد مقتصراً على مستثمرين أو مديري صناديق، بل امتد إلى مسؤولين في مؤسسات مالية ورقابية وشخصيات ذات صلات سياسية.
وكانت السلطات التركية قد أطلقت تحقيقاً واسعاً عقب الانهيار الذي شهدته البورصة يومي 15 و16 سبتمبر، وسط شبهات بشأن تضخيم أسعار أسهم محددة والتلاعب بقيم صناديق استثمارية، قبل أن تتعذر على بعضها تلبية طلبات المستثمرين الراغبين في سحب أموالهم.
وفي 17 سبتمبر، قرر مجلس أسواق رأس المال التركي تصفية 131 صندوقاً استثمارياً تابعة لسبع شركات لإدارة المحافظ، من بينها شركات «تيرا» و«بوسولا» و«هيـدف» و«أطلس».
وتتحدث التقارير عن أزمة مست أكثر من 450 ألف مستثمر، فيما تجاوزت الأصول المرتبطة بالصناديق المعنية 18 مليار دولار، وفق تقديرات نشرتها وسائل إعلام دولية.
التحقيق يصل إلى قمة بورصة إسطنبول
ومن المؤشرات على اتساع دائرة التحقيقات، توقيف رئيس بورصة إسطنبول كوركماز إينيس أرغون يوم 31 أكتوبر، قبل إيداعه السجن على ذمة القضية، بشبهات تتعلق بتلقي رشاوى والانتماء إلى تنظيم إجرامي.
كما أعلن وزير العدل التركي أكين غورليك، يوم 3 نوفمبر، أن التحقيق كشف عن شبكة إجرامية واسعة امتدت، وفق تعبيره، إلى مستويات عليا من البيروقراطية المالية وأسواق رأس المال.
وكشف الوزير أن التحقيقات شملت 433 مشتبهاً بهم، وأن 112 شخصاً كانوا قد أودعوا السجن، فيما خضع 186 آخرون للإفراج المشروط، بينما ظل 38 شخصاً محل بحث.
وأضاف أن السلطات تمكنت من استرجاع أموال وعقارات وأسهم بقيمة تقارب 30 مليار ليرة تركية، في إطار مساعي استرداد الأموال التي يشتبه في الحصول عليها من خلال التلاعب بالأسواق.
أردوغان أمام اختبار الثقة
وتضع هذه التطورات الحكومة التركية أمام اختبار سياسي واقتصادي صعب، خصوصاً أن القضية لم تعد تتعلق بخسائر في سوق الأسهم فقط، وإنما بأسئلة أوسع حول دور أجهزة الرقابة المالية، ومدى قدرتها على اكتشاف التجاوزات قبل تحولها إلى أزمة بهذا الحجم.
واللافت أن القضية شهدت أيضاً استقالة مسؤولين وشخصيات مرتبطة بالمؤسسات المالية، من بينهم نائب وزير المالية، بعد إيداع صهره السجن على ذمة التحقيقات، فضلاً عن إقالة رئيس هيئة أسواق رأس المال السابق وفتح تحقيقات تتصل بإدارة الهيئة.
وفي المقابل، تحاول السلطات تقديم القضية باعتبارها عملية لملاحقة شبكة إجرامية اخترقت المؤسسات المالية، مع التأكيد على ضرورة استرجاع الأموال وحماية المستثمرين.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: هل كانت هذه التجاوزات نتيجة تحركات مجموعة من المسؤولين والمتعاملين في السوق من دون علم المؤسسات المعنية، أم أن حجم العمليات وتشعبها يفرضان البحث في مسؤولية منظومة الرقابة نفسها؟
ففي قضية بهذا الحجم، لا يكفي الإعلان عن توقيف المتورطين المحتملين، بل يتعين أيضاً توضيح كيف أمكن لهذه العمليات أن تستمر، ومن كان يملك سلطة الرقابة عليها، ولماذا لم يتم التدخل في وقت مبكر؟
وتبقى الإشارة إلى أن التحقيقات لم تنته بعد، وأن الاتهامات الموجهة إلى الشخصيات الواردة أسماؤها لا تمثل أحكاماً قضائية نهائية.
