الرئيسيةآخر الأخبارحمدي حشاد يكشف كيف كان التونسيون يواجهون الحر قبل الكهرباء

حمدي حشاد يكشف كيف كان التونسيون يواجهون الحر قبل الكهرباء

في صيف استثنائي الحرارة، ومع استمرار تأثير موجات حر متتالية على تونس وما رافقها من ارتفاع كبير في درجات الحرارة وانقطاعات متكررة للكهرباء، تعود إلى الواجهة أساليب تقليدية كان يعتمدها التونسيون منذ عقود لتلطيف أجواء المنازل من دون مكيفات أو مراوح.

الخبير البيئي حمدي حشاد يستعيد هذه الممارسات من ذاكرة الطفولة، لكنه ينظر إليها اليوم بعين المختص، معتبرا أن ما كان يبدو عادات منزلية بسيطة يخفي وراءه فهما دقيقا لكيفية تعامل المباني مع الحرارة وحركة الهواء والماء والظل.

ويقول حشاد إن موجة الحر الكبيرة التي ضربت تونس خلال صيف 2026، وما تزال آثارها مستمرة مع موجة حرارية ثانية، دفعته إلى التفكير مجددا في الوسائل التي كان يستخدمها الأجداد لتلطيف المنازل، خصوصا في ظل الانقطاعات الكهربائية التي تجعل الاعتماد الكامل على أجهزة التكييف أمرا محفوفا بالمخاطر.

ذاكرة الجدة تتحول إلى درس في المناخ

يستحضر حشاد ذكريات جدته، التي كانت تعتمد وسائل بسيطة للمحافظة على قدر من البرودة داخل المنزل.

ومن بين تلك الوسائل فتح النوافذ بطريقة مدروسة، شرط ألا تكون متقابلة دائما، بما يسمح بخلق حركة هواء داخلية وتشكيل تيار طبيعي يساعد على تجديد الهواء.

كما كانت القلّة الفخارية حاضرة باعتبارها وسيلة طبيعية للحفاظ على برودة الماء، إلى جانب تبريد بعض المواد الغذائية والمأكولات باستخدام الماء والأقمشة المبللة.

ويرى حشاد أن هذه التفاصيل اليومية التي كانت تبدو في طفولته عادات عادية، تكشف اليوم عن معرفة عملية بمبادئ التهوية والتبريد بالتبخر والظل، وهي مبادئ ما تزال مستخدمة في تقنيات البناء والتبريد الحديثة.

«أنا أيضا أخاف من السخانة»

ولا يخفي الخبير البيئي أن علاقته بموجات الحر شخصية أيضا، مشيرا إلى أن البعض يصف تحذيراته المتعلقة بالمناخ بأنها مخيفة أو صادمة.

ويقول، في حديثه، إنه أكثر من يخاف من الحرارة وتبعاتها، وإنه يتأثر بها مثل الآخرين، لكنه يحاول الانتقال سريعا من الصدمة إلى التحليل والبحث عن الحلول.

ويعتبر حشاد أن الجمع بين موجات الحر الشديدة وانقطاع الكهرباء يمثل تحديا مضاعفا، لأن فقدان الطاقة الكهربائية يعني في كثير من المنازل فقدان وسائل التبريد الأساسية في أكثر الفترات التي يحتاج إليها السكان.

لا يمكن انتظار حل سريع للشبكة الكهربائية

وبعيدا عن الحلول الظرفية، يرى حشاد أن تونس مطالبة بالتفكير في وسائل لا تعتمد بالكامل على شبكة الكهرباء.

ويشير إلى أن توسيع الشبكة الكهربائية وتحديثها وتعزيز قدرتها على الاستجابة للطلب المتزايد يحتاج إلى تمويلات واستثمارات وإجراءات إدارية وتشريعية ووقت طويل، ولذلك فإن البحث عن حلول موازية يمكن أن تخفف الضغط على الشبكة يمثل، في رأيه، ضرورة وليس ترفا.

ويطرح في هذا السياق فكرة التعامل مع تقنيات التبريد التقليدية باعتبارها خطة بديلة تساعد على تخفيض درجات الحرارة داخل المنازل وتقليل الحاجة إلى تشغيل أجهزة التكييف، خصوصا أثناء فترات انقطاع الكهرباء.

الستارة المبللة.. تبريد بسيط بالماء

من بين التقنيات التي يلفت إليها حشاد الانتباه التبريد بالستارة الرطبة.

وتقوم الفكرة على وضع حصيرة أو قطعة قماش مبللة أمام فتحة يدخل منها الهواء، بحيث يؤدي تبخر الماء إلى سحب جزء من حرارة الهواء قبل دخوله إلى المنزل.

وتكون هذه الطريقة أكثر فاعلية في المناطق ذات الهواء الجاف، لأن قدرة الماء على التبخر تكون أكبر، بينما يمكن أن تكون أقل فاعلية في المناطق الساحلية الرطبة، حيث قد تؤدي زيادة الرطوبة إلى جعل الإحساس بالحرارة أكثر إزعاجا.

الماجل والخزان الأرضي.. برودة تحت الأرض

ومن الممارسات التي يمكن تطويرها أيضا الاستفادة من برودة المياه المخزنة تحت الأرض.

فالماجل أو الخزان الأرضي يحافظ عادة على درجة حرارة أكثر استقرارا من الهواء الخارجي، ما يفتح المجال لاستغلال هذا الفرق الحراري في تصميم أنظمة طبيعية لتلطيف بعض أجزاء المنزل.

لكن حشاد يشدد ضمنيا على ضرورة أن يتم ذلك بطريقة صحية وهندسية سليمة، بحيث لا يتم تعريض مياه الشرب للتلوث أو تمرير الهواء المنزلي مباشرة داخل خزان المياه.

التهوية الليلية.. أبسط الحلول وأكثرها فاعلية

ومن أكثر التقنيات التي يمكن تطبيقها بسهولة، وفق هذه المقاربة، التهوية الليلية أو ما يعرف بالتفريغ الحراري الليلي.

وتقوم الفكرة على إبقاء المنزل محميا من أشعة الشمس والهواء الساخن خلال ساعات الذروة، ثم فتح النوافذ والفتحات ليلا عندما تنخفض درجات الحرارة، بما يسمح بإخراج الهواء الساخن وتفريغ الحرارة المخزنة في الجدران والأسقف.

وعند اقتراب ساعات الصباح وارتفاع الحرارة مجددا، تغلق النوافذ وتغلق مصادر دخول الهواء الساخن، حتى يحافظ المنزل على البرودة التي اكتسبها خلال الليل.

وتزداد فاعلية هذه الطريقة في المنازل التي تسمح بوجود تهوية متقاطعة، أي دخول الهواء من جهة وخروجه من جهة أخرى.

الأسطح يمكن أن تصبح وسيلة للتبريد

ويشير حشاد أيضا إلى مفهوم التبريد الإشعاعي السلبي، الذي يستفيد من قدرة الأسطح على فقدان جزء من حرارتها خلال الليالي الصافية عبر الإشعاع نحو السماء.

ويمكن تحسين هذه العملية باستخدام أسطح فاتحة اللون أو مواد مصممة خصيصا لعكس الإشعاع الحراري.

كما يمكن استخدام الماء في بعض التطبيقات الهندسية لتخزين البرودة المكتسبة ليلا والمساعدة في امتصاص الحرارة خلال النهار.

لكن استخدام المياه فوق الأسطح يتطلب، بحسب طبيعة المبنى، التأكد من قدرة السقف على تحمل الوزن وضمان العزل المائي، ما يجعل بعض هذه الحلول بحاجة إلى دراسة هندسية قبل تطبيقها.

فناء المنزل.. مكيف طبيعي

ومن الحلول التقليدية الأخرى الفناء الداخلي المظلل، الذي كان جزءا أساسيا من هندسة العديد من المنازل التقليدية في تونس.

فعندما يكون وسط المنزل محاطا بممرات مظللة وأشجار أو عريشة، يمكن أن يتشكل داخله مناخ محلي أكثر اعتدالا.

الظل يقلل من تسخين الأرض والجدران، والنباتات تساهم في تحسين البيئة الحرارية، بينما يمكن للماء أن يوفر تبريدا إضافيا من خلال التبخر.

كما تسمح بعض التصاميم بوجود فتحات علوية تساعد الهواء الساخن على الصعود والخروج، وهو مبدأ بسيط لكنه فعال في تحسين حركة الهواء داخل المبنى.

الحل ليس في تقنية واحدة

ويشدد حشاد على أن هذه التقنيات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها بدائل منفردة للمكيفات، بل باعتبارها منظومة متكاملة.

فالنتيجة الأفضل يمكن تحقيقها من خلال الجمع بين التظليل الخارجي، والعزل الحراري، والتهوية الليلية، وحركة الهواء، واستعمال الماء بطريقة عقلانية، إلى جانب تصميم المبنى بما يتلاءم مع المناخ المحلي.

هذه الإجراءات لا تستطيع بالضرورة توفير الراحة نفسها التي يوفرها مكيف الهواء خلال موجة حر شديدة، لكنها يمكن أن تخفض درجة حرارة المنزل، وتؤخر الحاجة إلى تشغيل المكيف، وتقلل استهلاك الكهرباء، وتوفر قدرا من الراحة خلال فترات الانقطاع الكهربائي.

«العودة إلى الماضي» قد تكون جزءا من المستقبل

ويرى حشاد أن إعادة اكتشاف هذه التقنيات لا تعني العودة إلى الوراء، بل استعادة جزء من المعرفة المناخية التي فقدها المجتمع تدريجيا مع انتشار المكيفات واعتماد المباني الحديثة على توفر الكهرباء بشكل مستمر.

فالمنازل التقليدية لم تكن مصممة على أساس أن الطاقة الكهربائية ستكون متوفرة دائما، ولذلك اعتمدت على الظل، وسمك الجدران، والتهوية، والماء، والفناء الداخلي، واختيار اتجاهات النوافذ، وغيرها من الوسائل الطبيعية.

ومع ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الضغط على شبكات الكهرباء، قد يصبح هذا الإرث المعماري والمناخي أكثر أهمية من أي وقت مضى.

وفي بلد يواجه صيفا أكثر سخونة، لا تبدو المسألة مجرد استعادة لذكريات الطفولة، بل قد تتحول إلى سؤال عملي: كيف يمكن تصميم مساكن تونسية قادرة على مواجهة الحرارة حتى عندما يتوقف المكيف وتنقطع الكهرباء؟

وربما تكمن إحدى الإجابات في معرفة قديمة لم تكن تحتاج أصلا إلى الكهرباء.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى