الرئيسيةآخر الأخبار«دار جربة».. المنزل الذي أرعب التونسيين حتى بعد هدمه

«دار جربة».. المنزل الذي أرعب التونسيين حتى بعد هدمه

كان هناك فلاح فقير، وكنز مدفون، وساحر مغربي يريد الاستيلاء عليه… وكانت هناك، بطبيعة الحال، كائنات من عالم الجن، وفتاة ترتدي الأبيض قيل إنها قُدمت قرباناً للأرواح.

ثم ظهرت في الحكاية حرائق تشتعل من تلقاء نفسها، وأزواج ينامون داخل منزلهم ليستيقظوا في الشارع، وحتى رجال شرطة قيل إنهم دخلوا المكان وطُردوا منه بفعل قوى غير مرئية.

هكذا عاشت «دار جربة» لسنوات في المخيلة الشعبية، لتتحول إلى واحدة من أشهر المنازل وأكثرها إثارة للخوف في تونس.

لكن الحقيقة، كما أعادت وكالة الأنباء الإيطالية أنسا تركيبها اعتماداً على الوثائق والشهادات، تبدو أقل إثارة من الأسطورة بكثير.

ففي مقال كتبه باولو بالوتسي ونشرته وكالة أنسا بتاريخ 5 أكتوبر من جربة، يكشف الصحفي أن المنزل الموجود قرب سوق حومة السوق شُيّد سنة 1974، قبل أن تشتريه عائلة عبد الحميد سنة 1983. وكان العقار يضم في بداياته أيضاً متجراً للمواد الغذائية الفاخرة.

انتقلت العائلة لاحقاً للإقامة في باريس، وأصبح المنزل يستخدم أساساً كمسكن ثانوي. لكن عمليات السرقة والسطو، ثم وفاة الحارس، جعلت المكان شبه مهجور منذ سنة 2011.

وهنا بدأت الحياة الثانية للمنزل… حياة الأسطورة.

فمبنى مهجور، ونوافذ مظلمة، وجدران متآكلة، ونباتات تغزو المكان، كانت كلها عناصر مثالية لولادة قصة مرعبة.

ومنذ نحو عام 2015 بدأت آثار الحكاية تظهر على الإنترنت، قبل أن تنتشر منذ 2017 رواية شبه مكتملة تقول إن الأرض كانت ملكاً لفلاح فقير، وإن ساحراً مغربياً حاول الاستيلاء عليها بعدما علم بوجود كنز تحرسه الجن تحتها.

رفض الفلاح، بحسب الرواية، فبدأت المصائب: محاصيل تتلف، وحرائق غامضة تندلع، ومشاكل تضرب العائلة.

ثم، وفق الأسطورة، استولى الساحر على الأرض وبنى المنزل، قبل أن يضحي بابنة أخته الشابة، التي كانت ترتدي الأبيض، لإقناع الأرواح بالكشف عن الكنز.

ومنذ ذلك الحين، تقول الحكاية، بقيت صرخات الفتاة تتردد في غرف المنزل.

المشكلة الوحيدة؟ لا يوجد أي دليل على أن شيئاً من ذلك حدث.

لكن غياب الدليل لم يمنع الحكاية من الانتشار، بل جعلها أكثر قابلية للتكاثر. فكل شخص تقريباً بدا وكأنه يمتلك نسخة خاصة من «دار جربة».

وينقل بالوتسي عن الكاتب التونسي أحمد محجوب، الذي أجرى سنة 2024 دراسة حول أساطير الجن في الجزيرة، أن لكل شخص تقريباً روايته الخاصة عن المنزل.

هناك من تحدث عن حرائق ليلية، ومن روى أن أشخاصاً ناموا داخل المنزل ثم وجدوا أنفسهم خارجه، فيما تحدث آخرون عن شرطيين دخلا المبنى وخرجا منه وعليهما آثار ضرب.

وفي مرحلة لاحقة، أصبحت «دار جربة» حتى محطة ضمن بعض مسارات السياح.

ولم تكن البيئة الثقافية للجزيرة بعيدة عن انتشار مثل هذه القصص. فجربة، المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ 2023 بفضل نظامها العمراني الفريد، تمتلك أيضاً تراثاً شفوياً غنياً بالحكايات المرتبطة بالجن وما يسمى محلياً «أهل بسم الله»، وهي عبارة تستخدم تجنباً للنطق المباشر بكلمة الجن.

كما تحتفظ الجزيرة بذاكرة المعمورة، وهي منشآت صغيرة ذات قباب ارتبطت تقليدياً بالحماية وطلب البركة.

ثم جاءت الهواتف الذكية، فدخلت «دار جربة» عصراً جديداً.

تحولت إلى مسرح مفتوح لمستخدمي تيك توك وإنستغرام ويوتيوب. كان صناع المحتوى يدخلون المكان ليلاً، ويشعلون المصابيح، ويصرخون أمام الكاميرات، ثم يبحثون في التسجيلات عن أصوات أو ظلال يمكن تقديمها باعتبارها دليلاً على وجود أشباح أو جن.

وفي 2021 حقق مقطع تونسي عن «أخطر منزل في تاريخ تونس» قرابة مليون مشاهدة، بينما تجاوز مقطع آخر في 2024 حاجز المليون مشاهدة أيضاً.

لكن بالنسبة إلى سكان المنطقة، لم تكن أصوات الزوار هي الشيء الأكثر إثارة للقلق.

الضجيج الحقيقي كان يأتي من أولئك الذين يأتون ليلاً بحثاً عن الجن.

وفي مارس 2026، حصلت العائلة على ترخيص من البلدية وقامت بهدم المنزل.

لكن حتى الجرافات لم تنجح في إنهاء الحكاية.

ففي إحدى مراحل الهدم، توقفت الأشغال عند الساعة العاشرة والنصف صباحاً، والتقط شخص صورة للجرافات وهي متوقفة، وسرعان ما انتشرت الرواية على مواقع التواصل: الجن أوقفوا عملية الهدم!

أما صاحب المنزل فقدم تفسيراً أكثر واقعية وأقل إثارة: العمال كانوا يتناولون وجبة الإفطار.

وتخطط العائلة الآن لزراعة أشجار الزيتون في المكان.

وهكذا اختفى المنزل الذي كان يُلقب بأكثر المنازل المسكونة بالأشباح في تونس، لكن الأسطورة بقيت.

وربما، كما يختتم الصحفي الإيطالي باولو بالوتسي، فإن أسطورة صمدت أمام المشككين، وأصحاب المنزل والجرافات، لن تستسلم بسهولة أمام بعض أشجار الزيتون.

أما إذا كان الجن قد عاشوا فعلاً في «دار جربة» طوال تلك السنوات، فربما يواجهون الآن مشكلة بسيطة جداً…

البحث عن عنوان جديد.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى