في تحليل سياسي لافت وجريء، يفكك الإعلامي المغربي البارز توفيق بوعشرين خبايا الصعود السياسي المثير لرئيسة الحكومة الجديدة.
وينفذ بوعشرين عبر هذا المقال إلى ما وراء الستار ليسلط الضوء على المسارات غير المعلنة لـ « بنت الصالحين » أو بنت الباشا في هرم السلطة بالمملكة.
رئيسة حكومتكم كما لا تعرفونها؛ امرأة نشأت في وسط ميسور في مراكش، في عقدها الخامس، وعيد ميلادها في 3 جانفي من كل سنة. ها أنتم (معلومين)، لمن أراد أن يبعث لها هدية!
والدها كان نقيبًا للمحامين وباشا في مراكش، يوم كان الباشا مهاب الجانب، وليس مثل الآن، كما كان سفيراً للرباط في الإمارات العربية المتحدة، التي تجمعها علاقات قوية مع الرباط، وكان من الذين أسّسوا واحدة من جمعيات السهول والهضاب (جمعية الأطلس الكبير) بإيعاز من الحارس الخاص للملك الراحل الحاج المديوري.
فاطمة الزهراء المنصوري وُلدت وفي فمها ملعقة من ذهب، وكبرت والملعقة المذهبة تتبعها إلى الرباط، حيث درست الحقوق في جامعة محمد الخامس، دون أن يُعرف لها نضال أو نشاط في المجال العام. كانت مضربة عن السياسة. ثم انتقلت، كما جلّ نخب المغرب، إلى فرنسا، حيث استكملت دراستها هناك في قانون الأعمال والتجارة. ثم، برُجوعها إلى المغرب، انتقلت إلى مكتب محاماة كبير تابع لمحمد الطيب الناصري في شارع مولاي يوسف في البيضاء، حيث اشتغلت تحت تأطير هشام الناصري، ابن محمد الناصري، وزير العدل السابق ومحامي القصر في المغرب والخارج…
في كل حياتها، كانت الابنة المدللة للباشا المنصوري. كانت محاطة بعناية والدها، الذي تجمعه أواصر قربى بالباشا الأسطوري لمراكش، الباشا الكلاوي، الذي كانت سلطته وماله ونفوذه يفوقون سلطة ومال محمد الخامس، الذي كان محاصراً في قصره المتقشف في الرباط… كان الگلاوي قائداً لفرسان الأطلس الذين حاصروا قصر محمد الخامس سنة 1953، ودفعوه ابن يوسف إلى المنفى بإيعاز من الإقامة العامة، وتلك قصة أخرى…
فاطمة الزهراء انتقلت من رعاية والدها إلى رعاية مؤسس الجرار فؤاد عالي الهمة. في سن الثلاثين عاماً التحقت بالحزب الذي أسال من المداد أكثر مما أسال أعضاؤه من العرق والجهد لتثبيته في أرض سياسية جرداء. تدرّجت في الحزب الذي التحقت به منذ 2008، حتى وصلت إلى قيادته، مروراً بالبرلمان وعمادة المدينة الحمراء ثم وزارة السكنى..
وها هي الآن أول امرأة تصل إلى رئاسة الحكومة، في بنية سياسية تتوسل بمظاهر التحديث لإخفاء جذور التقليد؛ بنية تسوّق للخارج ما يريد رؤيته وسماعه عن مغرب كأس العالم، المغرب الصاعد الذي يعطي للمرأة حقوقها، والذي يفتخر بأنه ثاني بلد أمازيغي عربي يضع امرأة على رأس حكومته… قال الصحافي بروكسي لجريدة «لوموند» الفرنسية أمس: بات بإمكان محمد السادس أن يفتخر «بكونه أول ملك يعيّن امرأة رئيسةً للحكومة».
إنها امرأة الميدان أيضاً. يُحسب للمنصوري وقوفها لأيام عدة في موقع الزلزال، الذي خلّف دماراً كبيراً ومقتل أكثر من 3400 مغربي ومغربية، دُفنوا تحت تراب منازلهم الطينية في واحدة من أفقر جهات المملكة: الحوز. قالت المنصوري، في شيء من المبالغة، آنذاك: «منذ أسبوع لم أنم، وأنا أطوف بين ركام الزلزال وأستمع للناس».
وبعد سنتين، كانت من الأصوات القليلة داخل الحكومة التي أقرت بالتقصير، فيما كان الجيل « زد » (جيل الشباب الجديد) يحتج على التفاوتات المجالية وتردّي قطاعَي التعليم والصحة. ففي 30 شتنبر 2025، قالت الوزيرة، أمام شباب حزب الأصالة والمعاصرة: «لو كنا قد نجحنا، لما وُجد هذا الغضب. إذن، نحن لم ننجح». وكانت تلك وخزة موجّهة إلى رئيس الحكومة الملياردير، عزيز أخنوش، الذي كان يقود التجمع الوطني للأحرار، والذي كان المتظاهرون يصبّون عليه جام غضبهم ويطالبون بإقالته، في وقت كانت فيه المعركة الانتخابية لخلافته تلوح في الأفق…
فاطمة امرأة متحررة، جرّبت الزواج مرتين والطلاق مرة واحدة، والآن هي في عصمة واحد من بيت آل البركة ارتبط اسمه بجدل قانوني حول استيلائه على أراضٍ شاسعة في الشمال! رئيسة حكومتنا أم لطفلين، لا تتوقف عن العمل والنشاط والانتقال بين الرباط والبيضاء ومراكش، طموحة إلى أبعد حد لكنها تراعي التقاليد وتشتغل داخل إطار ثقافة المخزن.
عهدت إلى إخوتها بإدارة أملاك العائلة، وهي عبارة عن أراضٍ شاسعة في تاسلطانت وغيرها من البادية التي تبعد عن مراكش بكيلومترات قليلة. هذه البلدة المعزولة والبائسة لم يكن أحد في المغرب يسمع عن أخبارها، حتى ظهر مشروع ضخم وعملاق، يتألف من 1800 فيلا. القصة… (ما زالت مفتوحة حول شبهة استعمال السلطة وتضارب المصالح).
كانت المنصوري على أعصابها منذ إعلان نتائج انتخابات 23 سبتمبر. امرأة متعطشة للسلطة، وتعتبر أن هذه فرصتها وفرصة حزبها الأخيرة للوصول إلى قيادة حكومة كأس العالم. وتقول المصادر التي كانت قريبة منها إنها شعرت للحظة بأن الفرصة تهرب منها، خاصة بعدما ظهر الكيس المعلوم في طنجة، وبعد فرار عمدة المدينة المقرب منها منير الليموزين، والأمين الإقليمي للحزب، الذي ما زال معتقلاً رهن التحقيق.
ثم، لما تأخرت المناداة عليها من القصر الملكي، دخلها الشك، خاصة أن الإعلام كان يتحدث عن فوزي لقجع، القادم من مكاتب المالية والجامعة الملكية لكرة القدم وملفات كأس العالم. لقجع الذي لعب دور المنشط والداعم للحزب بالأعيان وبعملية تواصل سياسي فعّال، هدم آخر حظوظ أخنوش في الرجوع إلى الصدارة، بعدما أطلق عليه نيران الحكامة والفساد وتضارب المصالح، في حملة انتخابية جرت على أسس أخلاقية أولاً، وعلى قاعدة خطاب الشكوى من ارتفاع تكلفة المعيشة ثانياً.
لكن، في النهاية، كان المنتصر الأول في انتخابات الأربعاء 23 سبتمبر هو حزب المقاطعة، وكان المنتصر الثاني هو حزب التصويت الأبيض، ثم جاء ثالثاً حزب الأصالة مع قدر بسيط من المعاصرة، بحوالي 4% من أصوات سكان المغرب البالغين سياسياً، الذين يتجاوز عددهم 27 مليوناً، فيما لم يحصل الحزب الأول سوى على مليون و60 ألف صوت…
رئيسة حكومتكم تعاني من عدة أمراض جسدية، شفاها الله، لكنها قالت في ندوة صحافية إن قواها العقلية بخير، وإنها قادرة على إدارة حكومة…
هل هي يسارية؟
لا، إنها ابنة أسرة إقطاعية في مراكش. عاشت في نعيم، وما زالت ترفل في حياة بلا خصاص مادي. جاورت اليساريين المتقاعدين في الحزب، لكنها لم تنتحر طبقياً. تمارس خطاباً شعبوياً للتقرب من الأصوات، وهذا أمر معمول به في حياة المرشحين. صوت حزبها لأكثر من قانون مالي بلا تفكير وعارض استرجاع الدولة لشركة « سامير » لستكرير البترول ورفض تسقيف هوامش ربح شركات المحروقات الرأسمالية، فلا توجد أي رائحة للفكر الاجتماعي لليسار في سيرة ابنة الباشا وحزبها عملياً…
هل هي ليبرالية؟
ليس تماماً. إلى حدّ ما، نعم. تعتنق ديانة اقتصاد السوق، ولا ترى في الرأسمالية إلا كل خير، لكنها لا تعتنق مذهب الحرية والحريات السياسية أساساً، ولا ترى في الصحافة المستقلة سوى منغّص لحياتها. ولم يُعرف عنها توقيع بيان من أجل الإفراج عن معتقل سياسي، ولا الخروج في مظاهرة للحريات، ولا مناصرة قضايا عادلة للشعوب. هي ابنة البرجوازية المغربية التي تناصر حرية السوق، ولا تتحمس لحرية الأفكار والسياسات والثقافات.
هل هي متدينة؟
باعتدال. تعتنق الإسلام في الخطابة، وتصلي جالسة أحياناً، وتزور الكعبة للحج قبل أسابيع فقط من انطلاق حملة انتخابية (إنما الأعمال بالنيات). إنها تستثمر، كما جلّ السياسيين، في مظاهر التدين، قناعةً أحياناً وتقرباً من القاعدة المحافظة أخرى… أطلقت على نفسها «ابنة الصالحين»، وأخبرتنا أنها تربّي أطفالها على ديانة الإسلام وكأنّها تعيش في السويد، وهنا تظهر ملامح البعد النفسي لفاطمة ولمن يشبهها عن عمق المجتمع.
هل هي نسوية؟
لا أعرف. إنها تناصر لفظياً حقوق المرأة في الخطابة، ليس أكثر، لكنها لا تعتنق فلسفة الدفاع عن حقوق المرأة كقضية نضالية، ولا تتمتع بحس نضالي وليس لها تصور حول إدماج المرأة في التنمية ولا في المنظومة الاجتماعية. لم يسبق لها أن ناصرت مطالب الحركات النسائية، ولا خرجت في تظاهرة لدعم خطة إدماج المرأة في التنمية، ولا وقّعت بيان الربيع النسائي، بل تتكلم لغة الدفاع عن المرأة، لا أكثر.
تجسد المنصوري مزيجاً براغماتياً من المحافظة السياسية والتحرر الاجتماعي، مستندة إلى قاعدة انتخابية قروية تدعم مؤسسات الدولة التقليدية. وتتسم بشغف كبير بالسلطة والتحكم أكثر من اهتمامها بالمال نظراً لثروتها الكبيرة، عدا عن كونها شخصية صارمة ومتجددة الحماس والنشاط العملي. وفي ظل تداول أنباء عن ترتيبها لتسليم مهام قيادة الحزب لمن ساهموا في صدارته، يبدو أن فوزي لقجع يتولى أدواراً تنظيمية بارزة ضمن إعادة هيكلة حزب الجرار للمرحلة المقبلة.
