في خطابه الشهير عند تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة عام 1961، أطلق جون كينيدي مقولته التاريخية التي رددتها الأجيال: « لا تسأل ماذا يمكن لبلدك أن يفعل من أجلك، بل اسأل ما الذي يمكنك فعله من أجل بلدك ». هذه العبارة لم تكن مجرد شعار حماسي، بل كانت دعوة صريحة لإعادة تعريف مفهوم المواطنة، ونقلها من عقلية « الانتفاع السلبي » إلى ثقافة « المسؤولية التشاركية ».
اليوم في تونس، نجد أنفسنا في أشد الحاجة لاستحضار هذا العمق الفلسفي للمواطنة، وتنزيله على أرض الواقع عند مناقشة واحدة من أعقد الأزمات الهيكلية التي تهدد أمننا الطاقي: أزمة الديون المتخلدة بذمة المواطنين لفائدة الشركة التونسية للكهرباء والغاز (« الستاغ »).
الأرقام الصادمة: مسؤولية المواطن في الميزان
كشفت البيانات الرسمية الصادرة عن جلسات الاستماع في البرلمان التونسي أن حجم المستحقات غير المستخلصة لشركة « الستاغ » بلغ حوالي 6061 مليون دينار. والصدمة الحقيقية تكمن في أن الحرفاء المنزليين وقطاع التجارة والخدمات الصغرى يستأثرون بنسبة الأسد التي تقارب 55% من هذه الديون.
هذا يعني أن المواطن، الذي يطالب الدولة يومياً بضمان التزويد المستمر بالكهرباء دون انقطاع، وبتحسين جودة الخدمات، يُسهم بشكل مباشر—عبر الامتناع أو التراخي عن دفع فواتيره—في خنق هذه المنشأة العمومية الحيوية. إن الطاقة التي تضيء بيوتنا وتُشغل مكيفاتنا في قيظ الصيف ليست مجانية؛ إذ تعتمد « الستاغ » على الغاز الطبيعي المورد بالعملة الصعبة لإنتاج أكثر من 95% من الكهرباء. وبالتالي، فإن احتجاز أموال الشركة لدى العائلات التونسية يحرمها من السيولة اللازمة لصيانة الشبكات واستكمال مشاريع الطاقات المتجددة.
من « الاستهلاك الاتكالي » إلى « المواطنة المسؤولة »
كثيراً ما يبرر البعض تخلفهم عن الدفع بالظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع كلفة المعيشة. ورغم تفهم هذه الإكراهات، إلا أن المواطنة الحقيقية تُقاس بمدى التزام الفرد تجاه المجموعة الوطنية وقت الأزمات. لجوء المواطن إلى استهلاك الكهرباء مع المماطلة في تسوية وضعيته المالية يعد شكلاً من أشكال « الاتكالية » التي تنهك ميزانية الدولة وتدفعها نحو الاقتراض الخارجي لتغطية العجز.
إن الدولة قدمت وما زالت تقدم الدعم لقطاع الطاقة، وتحرص من خلال « الستاغ » على إبداء مرونة عالية عبر توفير آليات تقسيط مرنة وجدولة للديون تصل إلى سنوات للحرفاء المنزليين لتخفيف العبء عنهم. وهنا يأتي دور المواطن ليتساءل: ماذا قدمت لبلدي في مقابل هذه الخدمات؟
الخلاص.. خطوة أولى نحو الإنقاذ
الاستجابة لنداء الواجب الوطني اليوم لا تتطلب تضحيات جساماً، بل تبدأ من سلوكيات يومية بسيطة ومسؤولة:
- ترشيد استهلاك الطاقة: للكف عن استنزاف موارد البلاد المالية والطاقية.
- المبادرة بتسوية الوضعية المالية: والتوجه نحو إقليم الشركة القريب لجدولة الديون والاستفادة من التسهيلات المتاحة.
- الوعي بأن الفاتورة أمن قومي: فهم أن المليمات التي يدفعها المواطن هي الضمانة الوحيدة لاستمرار السيادة الطاقية التونسية.
ختاماً، إن إنقاذ المؤسسات العمومية التونسية، وفي مقدمتها « الستاغ »، ليس مسؤولية الحكومة وحدها، بل هو امتحان حقيقي لوعي المواطن التونسي. حان الوقت لنكف عن سؤال « ماذا قدمت لنا تونس؟ » في كل فاتورة استهلاك، ونبدأ بفعل ما يتوجب علينا لحماية وطننا من العتمة.
