الرئيسيةآخر الأخبارقبل السخرية من قانون حماية «البوسيدونيا»… هل نعرف حقًا قيمة هذه النبتة...

قبل السخرية من قانون حماية «البوسيدونيا»… هل نعرف حقًا قيمة هذه النبتة التي تحمي سواحل تونس وثروتها السمكية؟

أثار مقترح قانون لحماية نبتة البوسيدونيا، الذي سيناقشه مجلس نواب الشعب، موجة من السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ اعتبر البعض أن البلاد لديها أولويات اقتصادية واجتماعية أكثر إلحاحًا من سن قانون لحماية « عشب بحري ».

لكن هذه السخرية تكشف في الواقع أن كثيرين لا يعرفون ماهية البوسيدونيا ولا الدور الحيوي الذي تؤديه في البحر الأبيض المتوسط، وفي تونس على وجه الخصوص.

والحقيقة أن البوسيدونيا ليست طحلبًا بحريًا كما يعتقد البعض، بل هي نبتة بحرية مزهرة لا توجد إلا في البحر الأبيض المتوسط، وتُعد من أهم النظم البيئية البحرية في العالم، حتى أطلق عليها العلماء لقب « رئة البحر الأبيض المتوسط ».

ثروة وطنية لا تُقدّر بثمن

تمتد مروج البوسيدونيا على مساحات واسعة من السواحل التونسية، خاصة في خليج قابس وقرقنة وجربة والوطن القبلي وبنزرت وطبرقة، وتشكل نظامًا بيئيًا متكاملاً تعتمد عليه آلاف الكائنات البحرية.

فهي ليست مجرد نباتات تنمو في قاع البحر، بل تمثل حضانة طبيعية للأسماك، حيث تضع عشرات الأنواع البحرية بيوضها بين أوراقها، وتنمو فيها صغار الأسماك قبل انتقالها إلى المياه المفتوحة.

ولهذا السبب، فإن حماية البوسيدونيا تعني أيضًا حماية الثروة السمكية التي يعتمد عليها آلاف البحارة التونسيين في رزقهم.

حائط الصد الأول ضد تآكل الشواطئ

كثيرًا ما يشتكي المصطافون من وجود كتل بنية اللون تقذفها الأمواج إلى الشواطئ، ويطالب البعض بإزالتها باعتبارها « أوساخًا ».

غير أن هذه الكتل ليست نفايات، وإنما أوراق البوسيدونيا اليابسة، وهي تؤدي وظيفة طبيعية بالغة الأهمية، إذ تشكل حاجزًا يمتص قوة الأمواج ويحمي الشواطئ من الانجراف والتآكل.

ولو أزيلت بالكامل، فقد تتسارع وتيرة فقدان الرمال في عدد من الشواطئ التونسية، وهو ما يستدعي لاحقًا إنفاق ملايين الدنانير على مشاريع الحماية وإعادة التهيئة.

حليف في مواجهة التغير المناخي

تلعب البوسيدونيا دورًا مهمًا في مكافحة التغير المناخي، إذ تمتص كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون وتخزنها في جذورها ورواسب قاع البحر لعشرات، بل لمئات السنين.

ولهذا تُصنف ضمن أهم النظم البيئية القادرة على تخزين ما يعرف بـ »الكربون الأزرق »، وهو ما يجعل الحفاظ عليها جزءًا من الجهود الدولية للحد من آثار الاحتباس الحراري.

مياه أكثر نقاءً

تعمل هذه النبتة أيضًا على تثبيت الرواسب في قاع البحر، مما يجعل المياه أكثر صفاءً ويحسن جودة البيئة البحرية، وهو عامل مهم للسياحة الساحلية والغوص والأنشطة البحرية.

لماذا تحتاج إلى الحماية؟

تتعرض مروج البوسيدونيا لعدة أخطار، من بينها:

  • إلقاء المراسي فوقها من قبل القوارب واليخوت.
  • بعض ممارسات الصيد التي تضر بقاع البحر.
  • التلوث البحري.
  • مشاريع الردم والتهيئة الساحلية.
  • ارتفاع حرارة مياه البحر بسبب التغير المناخي.

وتكمن خطورة الأمر في أن هذه النبتة تنمو ببطء شديد، إذ لا يتجاوز نموها بضعة سنتيمترات في السنة، لذلك فإن تدمير مرج واحد منها قد يحتاج إلى عشرات أو حتى مئات السنين حتى يستعيد عافيته.

النقاش مطلوب… لكن المعرفة أولًا

من الطبيعي أن يختلف التونسيون حول أولويات التشريع، وأن يتساءلوا عن توقيت مناقشة أي مشروع قانون في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد.

لكن من المهم أيضًا أن يستند هذا النقاش إلى المعرفة لا إلى السخرية.

فحماية البوسيدونيا ليست دفاعًا عن « عشب بحري »، بل هي حماية للشواطئ، والثروة السمكية، والتنوع البيولوجي، وجودة مياه البحر، ولجزء من الأمن البيئي والغذائي في تونس.

وقد يكون من المشروع مناقشة توقيت القانون أو تفاصيله، لكن من الصعب التقليل من أهمية مورد طبيعي يشكل أحد أعمدة التوازن البيئي في البحر الأبيض المتوسط، ويعود نفعه المباشر على الاقتصاد والبيئة والأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى