لم تعد الاعتداءات التي تستهدف المؤسسات التربوية في تونس تقتصر على سرقة بعض المعدات أو التخريب العرضي لممتلكات المدارس والمعاهد. فخلال الأيام الأخيرة، توالت حوادث الاقتحام والسرقة وإضرام النار والاعتداء على العاملين داخل المؤسسات التعليمية، في مشهد يطرح مجدداً أسئلة جدية حول أمن المدرسة العمومية وحماية التلاميذ والإطار التربوي والتجهيزات الموضوعة على ذمة العملية التعليمية.
آخر هذه الحوادث ما أعلنته الإدارة العامة للأمن الوطني، اليوم الجمعة 6 نوفمبر 2026، من إيقاف شاب يبلغ من العمر 24 سنة، يشتبه في تورطه في سرقة معدات من أحد المعاهد الثانوية بالعاصمة.
وتعود الواقعة إلى الليلة الفاصلة بين 4 و5 نوفمبر الجاري، عندما تسلل مجهولون إلى المعهد واستولوا على جهاز تلفاز كبير الحجم وجهاز عرض وحاسوب. وبعد مباشرة الأبحاث، تمكنت الوحدات الأمنية من حصر الشبهة في شخص يقطن بمنطقة الجبل الأحمر، قبل مداهمة منزله بالتنسيق مع النيابة العمومية وإيقافه، مع استرجاع كامل المعدات المسروقة. وقد تم الاحتفاظ به على ذمة الأبحاث لدى فرقة الشرطة العدلية بالعمران.
لكن هذه الحادثة ليست الوحيدة، بل تأتي في أعقاب سلسلة من الاعتداءات التي شهدتها مؤسسات تربوية في مناطق مختلفة من البلاد.
معهد راضية الحداد.. اقتحام جديد ورسالة تهديد بالعودة
في العاصمة، شهد معهد راضية الحداد بمنطقة العمران، يوم الأربعاء 4 نوفمبر، عملية اقتحام جديدة نفذها غرباء، استولوا خلالها على عدد من التجهيزات، من بينها كاميرات ومعدات إعلامية وتجهيزات مخابر الفيزياء، فضلاً عن محتويات من مكتب المدير وطوابع إدارية.
ولم يقتصر الأمر على السرقة، إذ عمد المقتحمون إلى كتابة عبارات نابية على جدران مكاتب القيّمين والقيّمات، وتركوا رسالة داخل قاعة الأساتذة تتضمن تهديداً صريحاً بالعودة لتنفيذ عملية سرقة أخرى.
والأخطر أن هذه المؤسسة سبق أن تعرضت، يوم 22 سبتمبر الماضي، إلى عملية اقتحام اعتدى خلالها غرباء جسدياً على قيّمتين، كما وجهوا عبارات مسيئة إلى عدد من الأستاذات.
ووفق ما نقلته جريدة الشعب نيوز، فإن المؤسسة تواجه أيضاً نقائص في البنية التحتية ونقصاً في الموارد البشرية، فضلاً عن إشكاليات تتعلق بالتجهيزات وظروف العمل.
أريانة.. عصابة تستهدف تجهيزات معهد ثانوي
وفي ولاية أريانة، كشفت وسائل إعلام تونسية يوم 4 نوفمبر عن تمكن فرقة الشرطة العدلية بأريانة المدينة من تفكيك مجموعة يشتبه في تورط أفرادها في اقتحام أحد المعاهد الثانوية ليلاً وسرقة مجموعة من الحواسيب والأجهزة الإلكترونية الحساسة المستعملة في العمل الإداري والبيداغوجي.
وقد أسفرت التحريات والمداهمات الأمنية، بالتنسيق مع النيابة العمومية، عن إيقاف المشتبه بهم واسترجاع كامل المسروقات التي أعيدت إلى إدارة المعهد.
الرقاب.. حريق يأتي على قاعة الأساتذة
أما في ولاية سيدي بوزيد، فقد شهد معهد الطاهر الحداد بمعتمدية الرقاب، ليلة 3 نوفمبر، حادثة أكثر خطورة، تمثلت في إضرام النار داخل قاعة الأساتذة، ما أدى إلى إتلاف محتوياتها بالكامل، بما في ذلك الأثاث وحجرات الملابس والمولد الكهربائي.
كما امتدت أعمال التخريب إلى عدد من قاعات التدريس والوحدات الكهربائية، فضلاً عن اختفاء العلم الوطني من ساحة المعهد.
وقد أثارت الحادثة حالة من الاحتقان في صفوف الإطار التربوي، الذي دخل في تحركات احتجاجية شملت مؤسسات تربوية أخرى بالرقاب، مطالباً بكشف المسؤولين عن الاعتداء وتوفير الحماية اللازمة للمدارس والمعاهد.
وكشفت المعطيات التي نشرتها تونيزيا تيليغراف أن النقابة الأساسية للتعليم الثانوي تحدثت أيضاً عن تعطل كاميرات المراقبة منذ فترة، وعن سرقات سابقة استهدفت حواسيب من قاعة الإعلامية.
عقارب.. تلميذ يتعرض لاعتداء بقضيب حديدي
ولا تتوقف الاعتداءات عند اقتحام المؤسسات وسرقة تجهيزاتها. ففي معتمدية عقارب من ولاية صفاقس، تعرض تلميذ يدرس بالسنة الثانية ثانوي يوم 7 أكتوبر إلى اعتداء أمام المعهد، إثر شجار بين عدد من التلاميذ، حيث أصيب على مستوى الرأس بواسطة قضيب حديدي.
وقد استوجب وضعه الصحي نقله إلى المستشفى الجامعي الحبيب بورقيبة بصفاقس، فيما تقرر تعليق الدروس بالمعهد صباح اليوم الموالي على خلفية الحادثة.
المدرسة العمومية أمام اختبار الحماية
والأهم من كل هذا أن ما يجمع بين هذه الحوادث، رغم اختلاف طبيعتها ومناطق وقوعها، هو أنها تكشف عن إشكال يتجاوز الجانب الأمني المباشر.
فالمعهد الذي تسرق حواسيبه ومعداته لا يخسر مجرد أجهزة يمكن تعويضها، بل يخسر وسائل عمل يحتاجها التلاميذ والأساتذة والإدارة. والمدرسة التي تحرق قاعة من قاعاتها لا تتعرض فقط لخسائر مادية، بل تتعطل فيها ظروف التدريس والعمل، فيما يمثل الاعتداء على القيّمين والأساتذة والتلاميذ مساساً بحرمة المؤسسة التربوية نفسها.
علينا أن نفهم قبل ذلك أن حماية المؤسسات التعليمية لا يمكن أن تظل مرتبطة فقط بتدخل الوحدات الأمنية بعد وقوع الاعتداءات. فالمطلوب أيضاً معالجة النقائص المتعلقة بالحراسة الليلية، وصيانة كاميرات المراقبة، وتأمين التجهيزات، وتوفير ظروف عمل تضمن سلامة الإطار التربوي والتلاميذ.
وإذا كانت عمليات الإيقاف واسترجاع المسروقات في بعض هذه القضايا مؤشراً على تحرك الأجهزة الأمنية، فإن السؤال الذي يظل مطروحاً هو: كيف يمكن منع تكرار هذه الاعتداءات، حتى لا تتحول المدارس والمعاهد إلى أهداف سهلة للسرقة والتخريب؟
إن المدرسة العمومية ليست مجرد بناية تابعة لوزارة التربية، بل هي ملك جماعي ومرفق أساسي يتعين على الجميع حمايته.
