أثار إعلان تقديم ملف مشترك بين تونس والجزائر ومصر وتركيا لترشيح «مقدمة ابن خلدون» ضمن سجل «ذاكرة العالم» التابع لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، تساؤلات في تونس حول أسباب عدم تقديم العمل التونسي بصورة منفردة.
غير أن المؤرخ عبد الحميد الأرقش، رئيس اللجنة العلمية التي تقترح جائزة ابن خلدون ومنسق اللجنة الدولية لدعم تسجيل «المقدمة» في سجل «ذاكرة العالم»، قدم توضيحات بشأن خلفيات هذا الملف، مؤكداً أن تونس هي التي بادرت إلى الفكرة وتولت تنسيق إعداد ملف الترشح، وأن مشاركة دول أخرى لا تعني بأي شكل من الأشكال التخلي عن الارتباط التونسي بابن خلدون أو بمؤلفه.
وأوضح الأرقش أن اللجنة التي تشكلت بصورة طوعية في بداية سنة 2024 كانت تضم باحثين جامعيين، وقد أصدرت نداء يدعو إلى تسجيل «المقدمة» في سجل «ذاكرة العالم»، انطلاقاً من الأبعاد الإنسانية والعالمية لهذا الإنجاز الفكري.
وأضاف أن الدولة التونسية تفاعلت مع هذا النداء وبادرت إلى تقديم ملف في الغرض، باعتبار أن اليونسكو تتعامل في هذا البرنامج مع الدول، فيما اقتصر دور اللجنة على الجانب العلمي والترويجي للفكرة.
وأشار الأرقش إلى أنه يترأس كذلك اللجنة العلمية التي تقترح جائزة ابن خلدون سنوياً في إطار علمي وجمعياتي، مبيناً أن الجائزة أسندت هذه السنة إلى الروائي التونسي حسنين بن عمو.
لماذا أصبح الملف مشتركاً؟
وبشأن مشاركة الجزائر ومصر وتركيا في ملف الترشح، أوضح الأرقش أن قوانين اليونسكو تتيح للدول الانضمام إلى مثل هذه الملفات عندما تكون لديها مخطوطات أصلية للعمل المرشح، أو تكون قد ساهمت في تثمين ذاكرته وفكره وترغب في تقديم ملف في الغرض.
وبالتالي، فإن دخول أطراف أخرى في ملف «المقدمة» لا يمثل، وفق هذا التفسير، قراراً تونسياً بالتنازل عن خصوصية ابن خلدون، وإنما يرتبط بطبيعة برنامج «ذاكرة العالم» وبواقع انتشار المخطوطات والوثائق المرتبطة بالمؤلف بين أكثر من بلد.
وتؤكد المعطيات الرسمية المنشورة أن ملف «المقدمة» قدم بالفعل بصفة مشتركة من تونس والجزائر ومصر وتركيا ضمن دورة 2026-2027، وأن تونس تولت تنسيق عملية إعداد الملف. كما أن الملف لا يزال حالياً في مرحلة التقييم من قبل لجان الخبراء المعتمدين لدى اليونسكو، على أن يتم الإعلان عن نتائج الدورة في ربيع 2027.
تونس بلد المبادرة وموطن ابن خلدون
وشدد الأرقش على أن تونس تبقى صاحبة المبادرة، فضلاً عن مكانتها التاريخية باعتبارها مسقط رأس ابن خلدون وبلد نشأته وتكوينه الأول.
فعبد الرحمن بن خلدون ولد في تونس سنة 1332، ونشأ فيها وتلقى جانباً أساسياً من تكوينه العلمي. كما أن مسيرته اللاحقة قادته إلى الجزائر ومصر وغيرها من البلدان، فيما انتشرت مخطوطات أعماله في عدد من المكتبات والمجموعات خارج المنطقة.
وتشير المندوبية الدائمة لتونس لدى اليونسكو إلى أن الطابع المشترك للترشح يرتبط تحديداً بالطبيعة متعددة البلدان للتراث المخطوط المرتبط بـ«المقدمة»، وبالمسار الذي قطعه ابن خلدون خلال حياته، إضافة إلى وجود نسخ ومخطوطات من أعماله في عدة بلدان، من بينها تركيا.
ومن هذه الزاوية، فإن تسجيل «المقدمة» في «ذاكرة العالم» لا يتعلق بمنح جنسية جديدة للكتاب أو بتحديد الدولة التي «تملك» فكره، وإنما بإدراج تراث وثائقي تعتبره اليونسكو ذا قيمة عالمية، مع تحديد الوثائق والمخطوطات المرتبطة به وأماكن حفظها.
بين الهوية التونسية والذاكرة الإنسانية
ويرى الأرقش أن من حق التونسيين التساؤل عن أحقية تونس في الانفراد بملف تسجيل «المقدمة»، باعتبار أن ابن خلدون تونسي المولد والنشأة، وأن تونس تمثل المحطة الأولى في تكوينه ومساره الفكري.
لكنه شدد في المقابل على أن طبيعة برنامج اليونسكو تسمح بالترشيحات المشتركة، بل إن وجود التراث الوثائقي المرتبط بعمل واحد في أكثر من دولة يجعل هذا النوع من الملفات أمراً وارداً.
وتأتي هذه التوضيحات في وقت بدأ فيه موضوع «مقدمة ابن خلدون» يحظى باهتمام واسع في تونس وخارجها، بعد الإعلان عن الترشح المشترك. وكانت وكالة تونس إفريقيا للأنباء قد أكدت أن المسار الحالي يأتي بعد جهود امتدت لسنوات، وأن إعداد الملف انطلق في مرحلة سابقة قبل أن يتواصل التنسيق وصولاً إلى دورة 2026-2027.
وبذلك، فإن المعطى الثابت حالياً هو أن تونس لم تتخل عن ملف «المقدمة»، بل بادرت إلى تحريكه وتولت تنسيق ملف ترشيحه، بينما جاء إشراك الجزائر ومصر وتركيا في إطار الطبيعة الدولية والمتعددة المواقع للتراث المخطوط المرتبط بابن خلدون.
والفصل الأخير في هذه المسألة لن يكون قد صدر بعد، إذ يبقى القرار النهائي بخصوص إدراج «المقدمة» ضمن سجل «ذاكرة العالم» رهناً بنتائج تقييم خبراء اليونسكو، المنتظر الإعلان عنها في ربيع 2027.
